يمكنه أن يحتل جغرافية الجسد، ويشكل تواصله مع المساحات المتعرجة بفعل الزمن أو الإرهاق، ثم يكون نفسه على الجبين كمارد قادر على التحول خارج قوانين الفيزياء، وبعيدا عن منطقية العلم أو خفقات المشاعر، فهو الظاهرة التي استطعنا عبرها خرق الثقافة القديمة، لكننا أنتجنا "الهلام" الذي يرتج فوق مساحة الفكر، وإذا ما استطاع عصر الاتصالات أن يجعلنا قادرين على الانتقال سريعا، فإنه أيضا حمل إلينا النتائج المسبقة، فنحن نحمل قبل الحدث "صورة مسبقة" عنه، ونحن نفكر دون "اتساق" وبعيدا عن "السياق" ونصبح كائنات ببعد "معلوماتي" قادر على إعادتنا احيانا إلى نقطة الصفر.

ليس مطلوبا أن نفكك هذا "الكائن" الهلامي، فهو يمتعنا بنفس القدر الذي يجعلنا بلا ملامح، أو مراقبين وقادرين على التجمد والتسمر والبحث عن أمكنة تجعله أكثر لطفا، لكنه سيبقى بعدا خامسا لا علاقة له بأي نظرية جديدة، إنما بنوعية الأخلاق التي يفرضها وربما بالسوية التي يجعلنا نستبقي عليها كي نصبح متوازنين مع عالم لا يضخ سوى المعلومات، ولا يقدم "دفقا" سوى في ذروة الأزمة، فكيف نستطيع تكوين جغرافيتنا مع "الاختلاط الافتراضي"؟ أو هل يمكن أن نجد ثقافة قادرة على الدخول إلينا في وقت تصبح فيه الخيارات الثقافية ترفا أو ربما تحولا سريعا عبر قنوات التلفزيون؟

هي مجرد أسئلة تظهر في أي لحظة يتم فيها طرح سؤال مباشر بعيدا عن عالم الاتصال، فالمرجع المعرفي سيكون على الأغلب كلمات بقيت في الذاكرة من كم المعلومات التي تسفحها أجهزة الإعلام، فتظهر وكأنها نوعا من الإضافات التي تنتهي لحظة ظهور قرار شخصي بأننا سنتوقف عن الاستقبال، أو نشعر بالإشباع من الحجم الذي وصل إلينا رغم أنه في غالب الأحيان "معلومات" و ليس "معرفة"، وهو برامج وثائقية وليس بحثا يمكن أن يحتوي عددا من الاحتمالات، فليس علينا أن نفكر بل فقط أن نقرر ما الذي سيبقى في ذاكرتنا، وهنا سنعود لتقديم الأجوبة، وسنعود إلى منطق الإعلام الذي يحمل وظيفة الإجابة عن الأسئلة، لكن الإعلام لم يعد يكتفي بأجوبة حول "الحدث" بل أصبح يملك أجوبة لكل ما يخطر على بال من أفكار ومن تاريخ وحتى "مستقبل"، فهو معني على ما يبدو برسم الصور أكثر من كونه نقلا موضوعيا للواقع.

البعد الخامس يمكن أن يتشكل في الاتصالات التي لا نستطيع رفضها أو العيش دونها، ولا يمكننا أن نبحث عن المعرفة دونها، لكنها بعكس المعرفة لا تملك أسئلة مفتوحة، فوظيفتها تقديم الأجوبة وإلا فإنها ستنتهي أو ستخرج من حلبة المنافسة في دفق المعلومات الحاصل، فالاتصالات ليست "شخصية" للعصر لأنها تملك استقلالا وهي عندما تمتزج مع العصر فإنها ستصبح مثقلة بالهموم وبالأسئلة المفتوحة.... شخصية العصر مشبعة بالصور النمطية القادمة إليها من عالم الاتصالات الذي يبحث دائما عن أزمة معرفية ليشكل لها قالبا يمكن من خلاله طرح منتج جديد للاستهلاك البصري.