مهما كانت التفسيرات التي تنطلق للتعليق على القرار الإسرائيلي بشأن طرد الفلسطينيين "المتسللين" حسب التعبير الإسرائيلي فإنه يشكل خارطة مختلفة، فرغم أن مسألة "الطرد" أو "التطهير" أمر قديم، كما أن القرار بذاته وحسب بعض المصادر الإسرائيلية ليس جديدا، إلا أن طرحه اليوم يشكل هامشا سياسيا وليس عملا إجرائيا فقط، ومؤشراته تقدم "رؤية إسرائيلية" لخارطة المنطقة خلال السنوات القادمة.

بالطبع فإن القرار منذ البداية يقدم عملية فرز سكان ما بين الضفة والقطاع، وهذا الأمر سينعكس حتى على موضوع المصالحة الفلسطينية، فهناك عامل إضافي يمكن أن يدخل على خط حماس والسلطة وعلى نوعية السياسة التي سينتهجها الطرفان، وسترتبط هذه المسألة بأمرين:

* الأول عملية فرز سياسي "نهائي" إن صح التعبير، فغزة كجغرافية وسكان لم تعد تنتمي إلى محيط السلطة السياسية في الضفة، والقرار السياسي في رام الله الذي كان على الأقل يمتلك حالة معنوية باتجاه كامل "مناطق السلطة"، أصبح عاجزا عن التعامل مع شريحة سكانية كاملة تقيم في غزة ولها تعقيداتها السياسية، فالخلاف السياسي القائم حاليا يملك على الأقل قاعدة تجمع الطرفين للتباحث على حل مشاكلهم، ورغم أن المفاوضات توقفت لكنها في النهاية مازالت تطرح مسألة "توحيد الصف"، والقرار الإسرائيلي الأخير يكرس مناطق النفوذ للسلطة ويحدها داخل مجموعة من الحدود التي يمكن أن تضاف إلى جملة "الحواجز" التي جعلتها مجرد "سلطة بأجهزة" لكنها عاجزة عن التحرك. * الثاني إعادة رسم مصطلح "اللاجئين" من جديد، فـ"إسرائيل" قامت عمليا بإعادة تعريف "الاحتلال" من خلال "السلطة الفلسطينية"، وفي النهاية فإن سكان الضفة سواء كانوا قادمين إليها من غزة أو أنهم عادوا إلى الوطن بعد اتفاقيات أوسلو فإنهم أصبحوا لاجئين بحكم الوضع القانوني الذي يفرضه الاحتلال الإسرائيلي. فالمسألة ليست فقط في سحب كل صلاحيات السلطة بل أيضا في جعلها موجودة على جغرافية غير واضحة أو معرفة حقوقيا ولا حتى سياسيا.

قرارات إسرائيل لا تطال فقط مناطق السلطة فهي تغير من مفهوم الجغرافية وعلاقته بالسكان، فهي تتعامل مع حدودها المفترضة التي كانت جوهر كل حروبها من قبل على أنها مناطق يمكن استخدامها ضد الآخرين، فهي تريد فرض واقع سكاني عبر حدودها مع الأردن، وكانت في السباق استخدمت الحدود مع لبنان بنفس الطريقة عندما أبعدت عددا من الفلسطينيين إلى "مرج الزهور"، فمسألة "الحدود الآمنة" بالنسبة لها لا تقف عند "الجدران العازلة، بل أيضا خلق سياسة سكانية خاصة تربك كل دول الشرق الأوسط.