مسألة سحب المبادرة العربية تشكل نوعا من التلاعب على مجال التصريحات، وعندما تتطرق لها وزيرة الخارجية الأمريكية فإنها تعرف تماما أن "فحوى" المبادرة لم يعد يحمل أي وزن سياسي، لكنها في المقابل لا تقوم بأي تجاوز لتعليقات أو توصيات يمكن أن تصدر عن الجانب العربي، فالموضوع الأساسي هنا هو المجال السياسي الذي يجب أن يتركز عليه "الجهد العربي"، وفي المقابل فإن "المبادرة بذاتها" تقدم الأسلوب السياسي في فهم "الاستقرار" بالنسبة للجانب العربي الذي ابتكر مثل هذه "المبادرة".

بالطبع فإن استخدام "الابتكار" لا يعني أن بنود هذه المبادرة كانت وليدة مراكز البحث العربية، فالجهد الذي وضع بها هو دبلوماسي بالدرجة الأولى، وتصميمها أساسا بالإضافة لزمان ومكان عرضها كان الغرض منه وضع نهاية حدية لما يسمى المجال المسموح به بالنسبة للنظام العربي كي يتدخل بما كان يسمى "الصراع العربي - الإسرائيلي. والعودة إلى المبادرة اليوم سواء عبر وزيرة الخارجية الأمريكية من خلال تصريح سيصبح عابرا بعد أيام، أو في توقيت قراءة ما حملته مع ذكرى الاستقلال في سورية هو لخلق مقاربة سريعة حول طبيعة الاستجابة للاستحقاق السياسي، وربما علينا أن نتذكر أن الاستقلال كان دائما وليد "أفق جديد" ولم يكن محصورا بالرغبة أو بالمعارك العسكرية فقط، فمعظم الدول العربية نالت الاستقلال نتيجة "تفكير جديد" الذي صنع وبشكل سريع "المقاومة" أو "الثورة" أو "الهيئات المدنية" التي كانت تعرف أن هناك "استحقاقا" عليها دفع ثمنه.

لم تشهد الساحة السياسية يوما حالة مشابهة لما أفرزته مسألة "المبادرة العربية"، فحالة الطلاق بين "المقاومة" و "العمل السياسي" بلغت ذروتها منذ إطلاق هذه المبادرة، فظهور الاعتدال والممانعة كمصطلحات حدية لصراع يعتبر مواز للصراع مع "إسرائيل"، هذا الافتراق لم تعرفه المنطقة من قبل، وحتى عند ظهور نوع من الخلاف في شأن العمل السياسي فإن المسألة لم تكن تتجاوز الأمور تفصيلية، فالفعل المقاوم حتى في الستينات كان وليد تفكير سياسي جديد، ومقاومة الاستعمار الفرنسي في سورية أو البريطاني في فلسطين كان أيضا وليد "أفق جديد" خلق السياسيون أنفسهم، فالاستحقاق السياسي كان دائما يحمل طيف خيارات يتيح لرجال السياسة استخدام أوراق مختلفة، ويضع أمامهم أيضا احتمالات قاسية ربما تطالهم، وربما للمفارقة فإن هذا الخيار ظهر مع طرح المبادرة العربية في بيروت عندما ظهر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وهو محاصر ليدفع آخر استحقاق خاص بالنظام العربي الذي أنهى مع قمة بيروت أي خيار آخر.

نسف المبادرة العربية أو إلغاءها أو تجميدها لا يعني الحرب بالضرورة، ولكن يبدو من الضرورة اليوم التخلص منها لأنها أصبحت سقفا فكريا ومأزقا داخل مجتمعاتنا كونها خلقت فصلا قاطعا ما بين المقاومة والسياسة، بينما نتذكر في الاستقلال أن المسألة أعقد من وضعها في ثنائيات مثل المقاومة والاعتدال لأن الرؤية السياسة هي التي تفتح عادة مجالا للمقاومة، والمقاومة هي التي تعطي السياسة قوتها.