من الصعب استرجاع تاريخ النكبة في "زمن التسوية" أو التهديدات بمخاطر حرب إقليمية، رغم أن الحرب تعبر عن هوية المنطقة منذ احتلال فلسطين، لكن مفردات الموضوع الفلسطيني تبدلت منذ تاريخ النكبة حتى اليوم، والحديث عن "العدو الإسرائيلي" أصبح متداخلا مع التصنيفات التي ظهرت لتعيد رسم الخارطة السياسية في المنطقة، إلا أن مسألة "العدو" كانت الأكثر حضورا في الأدبيات التي تناولت واقع الشرق الأوسط، لأن ظهور "إسرائيل" هو الذي شكل المنطقة كما عرفناها أو كما هي اليوم، وعندما كانت الإدارة الأمريكية تبحث عن "الشرق الأوسط الجديد" فإنها حاولت التأثير من "الشرق" عبر العراق وإيران، لذلك كان من الصعب إحداث تبدل حقيقي رغم "العنف" الذي استخدمته لإحداث هذا التحول. بالطبع فإن "الوجود الإسرائيلي" الذي اختفى من بيانات القمم العربية على أنه "قضية العرب الأولى"، لكنه بقي يشكل "البداية المأزومة" لتاريخ الشرق الأوسط الحديث، لأنه حدد كافة التوجهات للدول التي ظهرت قبله بأعوام أو تعاملت معه منذ البداية كظاهرة غير مسبوقة في تاريخ المنطقة، وحالة المقاربة مع "الحروب الصليبية" لا تبدو دقيقة إلا في كونها صورة عن اضطرابات مستمرة وانقسامات سياسية نتيجة هذه الحملات سابقا، ونتيجة "الوجود الإسرائيلي" حاليا. عمليا فإن (العدو) نفسه حمل معه الكثير من التحولات أيضا، والغريب هنا أن "حروب أمنه" التي خاضها لم تكن سوى نقاط لتحول نحو مفهوم أعقد لهذا الأمن، وأن ما يطلق عليه في الأدبيات الغربية "الجوار المعادي" بقي معاديا ويحمل إمكانيات جديدة لرفض الواقع الذي ظهر ككيان سياسي بعد الخامس عشر من أيار عام 1948، فالمقاربة الديمقراطية التي تطلقها الإدارات الأمريكية المتعاقبة أو الحكومات الأوروبية حول إسرائيل لم تبدل الكثير من معطيات الأمن، وفي المقابل فإنها حولت الصراع وفق اتجاهين: الأول اعتبار هذا الصراع شكل استراتيجي لا بد منه للتعامل مع المنطقة، ولوضعها في سياق دولي يمكن النفاذ بآليات مختلفة، فحلول السلام التي ظهرت ابتداء من تسعينيات القرن الماضي وعلى الأخص تلك التي قدمها "قادة إسرائيليون" كانت غير منسجمة مع "الوجود الإسرائيلي" في المنطقة، أو مع كون الصراع شكل استراتيجي للشرق الأوسط أو تبدل ربما يغير الكثير، وهذه المشاريع سرعان ما انتهت إلى مجرد أفكار ورموز أمام الحالة الواقعية التي فرضها نفس "القادة الإسرائيليين" الذين نظروا لمسألة "الشرق الأوسط الكبير". الثاني تكوين الصراع في إطار مرتبط بمسألة الصراع مع الإرهاب وعلى الأخص بعد نهاية الحرب الباردة، لذلك فإن التسوية تعبر عن مسار خاص يمكن أن يطلق عليه الاعتدال أو غيره من المصطلحات، وهذا المحور بطبيعته غير قادر على تحريك الأمور خارج "الواقعية الدولية" التي تدافع عن "إسرائيل" لأنها جزء من التصور الاستراتيجي الضروري للتعامل مع الشرق الأوسط. "العدو الإسرائيلي" في بعض المصطلحات القديمة كان يظهر من خلال عبارة "رأس الحربة" لـ"الاستعمار"، وهذا التعبير ربما كان يقدم نوعا من التفكير الأولي بما يحدث، لكن ربما علينا صياغته من جديد، فهل كانت النكبة نقطة الارتكاز لشرق أوسط تم رسمه مع نهاية الحرب العالمية الثانية؟ في النهاية فإن "العدو" مازال منسجما مع نفسه في كونه يشكل حالة "مأزومة" دائمة تظهر في توسيع الاستيطان أحيانا أو خوض حروب استباقية، أو حتى في خلق أزمات اجتماعية في دول الجوار نتيجة عملية "التسوية" التي تأتي كإجراء سياسي لأنظمة لم تعد تملك مقومات أو استراتيجيات لشعوبها. أما على الجانب العربي فهناك إدراك أيضا بالنسبة للنظام العربي أنه قادر على التعامل مع مسألة التسوية بغض النظر عن طبيعة ظهور الصراع او العدو أو التوجه الدولي، وفي النهاية مازلنا نقف عند حدود رسم موقع هذا العدو وتأثيره على مستوى شرق أوسط ربما سيبقى مأزوما بحكم "الوجود الإسرائيلي" والتفكير الدولي بالمنطقة.