عندما يقر مجلس مشروع المساعدات من أجل "القبة الحديدية" التي تخص "إسرائيل" فإن علينا وضع مشروع "التسوية" أمام إشارة استفهام كبيرة، فالتعامل مع كل أشكال المفاوضات تمت عمليا مع صيغة مرتبطة ليس بتحصين "إسرائيل" بل أيضا بإعادة رسم موقعها الجغرافي على الخارطة، فهي بدت بعد الانتفاضة الثانية محشورة ما بين البحر وجدار العزل واليوم يتم "إغلاق السماء" التي تعتبرها "مصدر الإزعاج" لها، فالقبة الحديدية التي من المفترض أن تمنع "الصواريخ" من الهطول عليها توضح أن التفكير الاستراتيجي لا يتعلق فقط بتهديدات مباشرة أو بعيدة المدى، إنما بأن احتمالات الحرب هي الأكثر حضورا، وأن إرادة التسوية لم تأخذ موقعها الحقيقي داخل المنطقة. عمليا فإن هذا "الدرع" الذي تنوي "إسرائيل" إقامته يظهر في التفسير الأولي أنه لكسر أدوات "أعدائها"، وبالفعل فنحن امام معادلة صعبة داخل الصراع يصعب النفاذ إليها بالنسبة لـ"إسرائيل" على وجه التحديد، فالتفوق العسكري الذي احتفظت به لم يعد وحده قادر على تأمين المعادلة السياسية إقليميا، فهناك العديد من العوامل التي كانت تظهر دائما، لكن "تخمة القوة" إن صح التعبير أظهرت أنها غير قادرة على تبديل المعطيات الإستراتيجية على الأرض، بل ربما تحمل اهتزازا لـ"إسرائيل" التي تزداد المخاطر في وجهها مع كل زيادة في تسليحها، وهذه الصورة التي تحدد مسألة "القبة الحديدية"، فمن العبث البحث عن احتمال "هجوم صاروخي" اتجاه "إسرائيل" انطلاقا من المعطيات القائمة اليوم أو حتى في المستقبل القريب، ولكن هذا "القبة" تحمل معنيين: الأول فرادة "الوجود الإسرائيلي" الذي يحمل معه شروطا ربما لا تتوفر لأي دولة أخرى، فالمسألة ليست في التفوق العسكري، أو للضمانات الدولية المقدمة منذ عام 1948، أو حتى للاستمرار في "التسوية" مع عدم وجود توازن سياسي بين الأطراف المتفاوضة، فالمسألة بمجموعة الشروط الوظيفية التي تتطور بها "إسرائيل"، وتطورها أيضا بالاستمرار، وهي على ما يبدو تحولت داخل السياسة الدولية من موضوع "الوطن القومي" إلى رمز التوازن السياسي داخل الشرق الأوسط الذي يوفر على الأقل النفاذ إلى المنطقة عبر أزماتها، وربما وضمن منطق السياسة لا يمكن أن نفهم "شروط البقاء الإسرائيلي"، لكننا في قراءة التكوين الشرق أوسطي فإننا سنجد أن معادلته تم اعتمادها وفق "الوجود الإسرائيلي"، وهو ما يجعل السياسات الدولية تستند بالدرجة الأولى إلى "الشرط الإسرائيلي" بالدرجة الأولى. الثاني قلق التحول في المعادلة الشرق أوسطية، فعندما تحدثت الولايات المتحدة قبل سنوات عن "شرق أوسط جديد" لم تكن تعني أي توازن جديد في المنطقة أو تحول باتجاه شكل مختلف عن السابق، بل هو محاصرة الاحتمالات المستقبلية في تغيير هذه المعادلة أو حتى التعامل بطريقة مختلفة، لكن التطورات أوضحت أن الاحتمالات ستبقى مفتوحة داخل الشرق الأوسط، وهو ما غير مسألة "الأمن الإسرائيلي" من "التفوق الاستراتيجي" باتجاه شكل من "المبادأة" في صياغة مفاهيم الأمن تبدو "القبة الحديدية" جزءا منها. "التسوية" التي بقيت سنوات في إطار مسألة "الثقة" تظهر اليوم عبر شكوك لا تنتهي في الاحتمالات الموجودة في المنطقة، ويضاف إليها أيضا العديد من التساؤلات حول نوعية "الوجود الإسرائيلي" ودرجة انسجامه مع المستقبل، وهو ما يتم الاستعداد له على المستوى الدولي، لكنه على ما يبدو غائب تماما داخل أطراف النظام العربي.