غزة لا تحتمل التحليل السياسي أو قراءة التوصيات في مؤتمرات القمة، لأن "سياسة الصغار" مشغولة بتلك الهموم التي تبدأ وتنتهي بالصورة التي نريد تقديمها للآخر، بينما لا نعجز عن رسم صورتنا الداخلية، فالتلخيص لحرب غزة وربما القدس أو رام الله يبقى في أننا نهوى اللعب بالكلمات وبالأوراق المبعثرة من "مؤتمر المانحين"، وعندما تسير قافلة باتجاهها فالكثيرون لا يفكرون الا بنوع التوتر الذي سيحدث، لأنهم جزء من "أمن إسرائيل" ليس إلا... عمليا فإن غزة لا ينفعها الغضب أو التلويح بالتصريحات السياسية، وموضوعها يتجاوز تلك المساحة الجغرافية، لأن ما حدث فيها كان مؤشرا إقليميا ولم يقتصر على إحصاء الشهداء فقط، أو إدانة "إسرائيل" لارتكابها جرائم حرب، ومن هذه الزاوية فقط يمكن أن نفهم آلية الاستيعاب السياسي لما حدث، فالموضوع الرئيس اليوم ليس "المعاناة الغزية" إنما طرق السياسة لتجاوز الحدث فيها، وربما البحث عن قفز سريع نحو "صورة جديدة" ترسمها السياسة فقط أمام "الآخرين" كي يقتنعوا بأن ما حدث في غزة لن يتكرر. هذه الصورة التي يتم رسمها هي رسائل طمأنة بأن المنطقة لن تقدم نماذج لا تتوافق مع المعادلة الإقليمية الحالية، على الأخص أن هناك ربط ما بين غزة وجنوب لبنان، والبعض يذهب باتجاه إيران دون أن يقدم لنا أي سبب سوى الموقف السياسي للرئيس الإيراني أحمدي نجاد، ففي فلسطين أحداث باتت تتكرر بشكل مقلق بالنسبة للبعض وتوحي بأن كل "الرسم الافتراضي" الذي قدمته معادلة التسوية بحاجة لمراجعة، ابتداء من حل الدولتين وانتهاء بمقولة الأرض مقابل السلام. ورغم أن الرؤية تتجه أحيانا لما حدث في غزة أو الضفة أو حتى جنوب لبنان نحو رسم ملامح لها علاقة بما يطلق عليه البعض "الإسلام الراديكالي"، لكن عمق الظاهرة هو الخلل في المعادلة الإقليمية سواء كانت القوى الظاهرة دينية أو علمانية، وربما لأول مرة لم تعد المنطقة تقف أمام صراع ثنائي بالمعنى التقليدي، ففي العصر الذي بدأ عام 2006 لم يكن هناك جانب عربي وآخر "إسرائيلي"، وفي حرب غزة 2008 - 2009 ظهر واقع مشابه تم استيعابه مبدئيا في قمة الكويت الاقتصادية، فالمعسكرات الجغرافية التقليدية أصبحت مختلطة و نتيجة خلل المعادلة الشرق أوسطية أوجد تداخلا لم يعد مفيدا قراءته وفق سياق وجود نظام عربي يواجه "خطرا إسرائيليا"، لأن هناك ملامح إخفاق في رؤية الشرق الأوسط كما ظهر عشية انتهاء الحرب العالمية الثانية. كان واضحا منذ الانتفاضة الأولى في نهاية الثمانينات أن "الثبات السياسي" قابل للتخلخل، وأن الاختراق المباشر للمنطقة سواء بحرب الكويت أو حتى احتلال العراق هو لتدعيم المعادلة الشرق أوسطية القديمة، وما يحدث اليوم هو "إرباك السياسي" أمام حلول يعرف حتى أصحابها أنها لا تملك واقعا على الأرض، فحل الدولتين الذي بدأ بقرار التقسيم مستمر في رسم ملامح الأزمة، ومسار التسوية الذي بدأ بعد أشهر من نهاية حرب تشرين جعل الصراع مركبا ونقل الجبهات العسكرية باتجاهات جديدة يصعب التحكم بها اليوم. صورة غزة هي لهذا الصراع المركب، وربما لإمكانية ولادة نظرية إقليمية مختلفة، وهو شأن خطر تلمسه "النظام العربي" منذ الانتفاضة الأولى، وسيبقى يحاول استيعابه لأنه لا يهدد "أمن إسرائيل" فقط بل الصورة النمطية للصراع وربما "شكل" النظام العربي القائم أساسا على تلك المعادلة الإقليمية القديمة.