ربما يصح توصيف "القرصنة" على ما قامت به "إسرائيل" ضد أسطول الحرية، لكننا يمكن ان نتجاوز "التصرف" الذي قام به "الجيش الإسرائيلي"، لأن مسألة الجرائم لم تعد تحمل المعنى الخاص الذي يمكن أن يؤدي إلى تداعيات سياسية، فالمفارقة التي تبدو هي في "نوعية اللغة" التي بدت باهتة على طرف النظام العربي، بينما اتخذت منحا آخر في تركيا التي تحدثت عن "تداعيات لا يمكن تداركها"، فردود الفعل وإن بدت في المصطلحات لكنها تعكس نوعية التفكير بهذا الأسطول وبـ"إسرائيل" أيضا. بالطبع فإن "القرصنة" يمكن أن تمر بسرعة في المجال السياسي عندما يتم الترحيب من قطر بوزير الصناعة الإسرائيلي، ومن الممكن أيضا أن تتجاوز كل "خطابات" اسماعيل هنية التي يستخدم فيها المترادفات، ثم تنتقل بشكل سلسل على حكومة فياض ونوايا محمود عباس المتجه إلى واشنطن في ذروة الأزمة، وهو ما يذكرنا بذهابه إلى الحج في ذروة الحرب على غزة. المشكلة أن "الخطاب السياسي العربي لا يكشف فقط نوعية التفكير الذي يحكمنا بل أيضا رسم آلياتنا السياسية المطوقة بنوع من "التهميش السياسي"، وفي أحسن الحالات الوصول إلى جمل يمكن أن تضاف إلى كتب "القواعد والإملاء" التي تدرس في مراحل التعليم الأساسي، فهناك نوع من الجفاء ما بين المصالح السياسية وطريقة إدارة الخطاب وهو أمر يبدو أكثر وضوحا في المناسبات التي تجمع "حشدا" من السياسيين العرب. ورغم أن توالي الحدث منذ انطلق أسطول الحرية كان يرسم صورا باهتة لجهد دبلوماسي عربي، لكن الخطاب المرافق كان يحوي نوعا من عدم الاكتراث لما بدأ يعنيه الصراع في غزة او في الشرق الأوسط، فمن اجتمعوا في أسطول الحرية لا يحملون عواطفهم فقط بل مخاوفهم وقلقهم وحتى مصالحهم السياسية التي تحيط بها انهيارات للسياسة الدولية، وربما بوادر أزمات متلاحقة، فمسألة حصار غزة بالنسبة لهم هو شاهد حقيقي عن نوعية النظام الدولي الذي يمارس إجراءات لا يمكن فهمها او استيعابها في ظل مجموعة من القيم السياسية التي يبشر يها الغرب أحيانا. على الجانب المقابل لم يكن أمام "إسرائيل" حلول إضافية، فرغم أن نوعية خطاب نتياهو مختلفة لكنها تدور في فلك واحد ربما يختصر العجز عن إيجاد "دولة امنية" محكومة ببعد واحد، وغير قادرة على التعامل مع مستقبل يبقى محكوما بالنسبة لها بذاكرة تاريخية تستنفذها دوما وتقودها باتجاه "الاعتداء والعنف". بالطبع لن نصل إلى النتائج التي يقدمها البعض في إن "إسرائيل" دولة فاشلة، وربما تكون، لكنها في الواقع دولة الأزمة، وبناء ربما لا يقدم صورا قاتمة بقدر إبرازه لطبيعة تفكيرنا التي تقدم "إجراءات فيها من السجع" الكثير وتماثل اللون التاريخي الذي على ما يبدو يحكمنا وفق "الشرط الإسرائيلي". نتنياهو فجر وعيده ضد إيران بمهاجمة أسطول حرية، مفجرا أزمة ولكن ليس من طهران بل من أنقرة، وهي أزمة لا بد منها ضمن "التفكير الإسرائيلي" الذي لا يحتمل مسارا سياسي خارج "السياق التاريخي" الذي يملكه والمسكون بالتهديد أو "فوبيا" الخوف من الآخر.