صعوبة الحديث عن نصر حامد أبو زيد ليست في المناسبة، فعندما نبدأ في الحديث عنه فلأن حيوية المسائل التي طرحها هي المناسبة وليس رحيله، وهنا فإننا سنقف أمام تشعب كبير في مسألة التفكير في التراث الديني، أو حتى في طبيعة الشخص الذي عالج هذا التراث بطريقة لم يعتدها الحقل التراثي، فهناك زاوية لم نكن نريد ان ندخلها لأنها في النهاية تضعنا أمام "حركة التاريخ" بدلا من "القيم المطلقة" المكتسبة من التراث ككل. عند نصر حامد أو زيد تتغير طبيعة الرموز التي تعلو اليوم على ساحة البحث التراثي، فهي في الحياة اليومية "رموزا عامة" وهي أيضا نقاط ارتكاز أساسية في الخطاب الفكري، وفي النهاية يتحول التراث إلى "نسيج ثقافي" وتتحرك الحياة باتجاهات مختلفة ضمن حالة من الحراك بدلا من الثبات الذي يميز التراث عموما، وعند هذا الخط يمكن ان نجد "مناسبة" لا تتعلق بوفاة نصر حامد أبو زيد بل أيضا في "التحريض" على التفكير الذي على ما يبدو كان "رسالة" دائمة لكل من لم يقف عن حدود "المطلقات". بالطبع فإننا ننتقل بعد رحيله إلى مساحة "فراغ" حقيقي، لأننا نملك حراكا فكريا متبدلا لا يملك انتقالا واضحا يدفع على الأقل نحو معرفة دائمة أو متجددة، فالتفكير مازال خاضعا للظرف التاريخي، ونصر حامد أبو زيد ينتمي إلى الجيل الذي شهد زمنا متحركا، بينما نقف في المراحل اللاحقة على "جغرافية" تقف عن "حدود المستحيل" حيث نعجز عن طرح الأسئلة أو كسر "وصف الأزمة" والعبور نحو الدراسة والاستقراء، فغياب نصر حامد أبو زيد ومن قبله محمد عابد الجابري هو في ذاته وقوفا عند ظاهرة "المفكرين" القادرين على خلق "الانتماء" دون ان تحدهم الإيديولوجية، رغم أنهم في النهاية أبناء عصر "نظم التفكير" الشمولية من الأخوان المسلمين وانتهاء بالشيوعية. عند هذه النقطة يظهر رحيل نصر حامد أبو زيد وكأنه صورة لا يمكن الانفكاك منها، فهي التي تلخص طبيعة ظهور المفكر كما بدا في الستينات، بينما لا نجد أي توصيف جديد لمفكرين يمكن أن يظهروا في زمن "الليبرالية الجديدة" أو في ذلك الزمن المتحول الذي نلجأ فيه إلى "تفكير الآخرين" كي نفهم ما الذي يمكن أن نفكر به. حداثية نصر حامد أبو زيد لم تمنعه من تفكيك النظام المعرفي التراثي، ولم تحد أيضا من وضع نظرة معاصر لذلك التراث الذي شكل "نسيجا" باتجاه الحاضر، فالماضي ليس "عقدة نقص" أو "فردوس مفقود"، وهو ماض لا نملك سلطة عليه لكننا قادرون على فهمه كما هو وليس كسلطة عليها أن تشكل تفكيرنا في كل لحظة. سنشعر بلا شك بالفراغ الذي يتركه نصر حامد أبو زيد أو محمد عابد الجابري، لكن الفراغ الآخر هو في الأسئلة المفقودة أو التي لم نصل بعد إلى طرحها على "البناء الثقافي" القادم، فهل يمكننا عبر مشاريع وضعها أبو زيد أو غيره تشكيل انطلاقة مختلفة؟ هو احتمال وارد لجيل جديد من المفكرين القادرين على البدء أو الاستمرار من الظرف الذي نعيشه ويفترض قلقا نحو إيجاد هذه الأسئلة.