ما يحدث يدفع لمجموعة من الأسئلة حول مستقبل المنطقة، فجملة التحركات السياسية تقدم مؤشرات على "إصرار إقليمي" باتجاه الاستقلال بالقرار، ومحاولة "عزل" الأزمات عن المحاور الدولية النمطية، ويمكن قراءة لقاء العلاوي - الصدر في دمشق صورة تحمل مفارقة في ظل الأدوار الإقليمية التي تتبدل باستمرار. بالطبع فان الرؤية السياسية تحمل معها عاملين أساسيين: الأول هو "محاصرة الأزمة" حتى ولو شكلت نوعا من "التناقض" مع الإرادة الدولية، فإن اتفاق سياسي عراقي، فيما لو حصل، يمكن مقاربته مع ما حدث سابقا بشأن الملف النووي الإيراني، فهو سيحدث ردات فعل متباينة لكنه في المقابل سيعكس انفتاحا إقليميا، فالقوى الدولية ربما تكون قادرة على إيقافه أو عدم التعامل معه، لكن نتائجه ستفعل الحراك السياسي الإقليمي، وربما ستؤثر بقوة على الأدوار في المنطقة، وهو ما حدث عندما قامت تركيا برعاية مفاوضات سلام غير مباشرة ما بين سورية و "إسرائيل"، حيث ظهر الدور التركي بشكل جديد وأثر مباشرة على المعادلة الإقليمية. العامل الثاني هو تحول مركز القرار الإقليمي، حتى لا نقول القومي رغم أنه الأصح، فاليوم ليس هناك "مثلث" تركي - إيراني - سوري على سياق الحديث عن مثلث آخر سعودي - مصري - سوري، لأن هذا الشكل السياسي أثبت قدرة على "الاحتواء" وليس على الخروج من الأزمة، وما يحدث اليوم يمكن النظر إليه وفق "ديناميكية" الخروج من الأزمة، حيث تعي جميع الأطراف (التركية - السورية على وجه التحديد) أن هناك عملية سياسية لصياغة "مركز القرار" وليس مجرد توافق سياسي مسبق. من المؤكد أن المصالح بين أنقرة ودمشق وطهران ليست متطابقة، لكن التوافق يأتي من القناعة بأن المصالح تتطور وفق "الديناميكية" السياسية التي تسعى لاختراق الأزمات، وليس التوقف عند حدودها كي لا تتجاوز "الجغرافية" الخاصة بها، ومهما كانت الأسئلة بشأن "الموافقة" الأمريكية فإن تبلور "إرادة سياسية" إقليمية يمكن النظر إليه كشرط ضروري، يمكن عليه إسناد الشكل الإقليمي المنتظر. بانتظار ما سيحمله لقاء أمس من نتائج فإن التطورات السياسية توضح أن الشكل الإقليمي المنتظر "مفتوح" دون إعطائه "تصورات" مسبقة، وربما نستطيع قراءة وجود رئيس وزراء لبنان سعد الحريري في لقاءات الأمس، فضمن التصور القادم ليس هناك "سياسة" الهامش الجغرافي، لأن الحراك على ما يبدو هو نظرة "متكاملة" وليس حالة من التأثير على "المحيط" الخاص بكل من سورية وتركيا وإيران. هل يتشكل الشرق الأوسط من جديد؟ عمليا فإن منهج السؤال يبدو مستبعدا، لأن ما يحدث هو العودة إلى الكتلة التاريخية وليس مجرد تكوين سياسي سريع.