لنحاول تغير الكلمة لأنها فقدت دالتها بعد 62 عاما على صفعها لوجوهنا، أو ترك وشوم على خاصرة كل أنثى ولدت بعدها، فمسألة النكبة تخترق حاجز المعقول ثم تحاول أن تركب صورا مختلفة لتاريخ يعود لزمن سابق، فهي ليست سوى "كلمة" باقية حتى اليوم، لكنها شكلت الحصار الأقسى على مساحة التفكير، وردتنا إلى الأيام التي حملت معها اللون الواحد، فعندما تصبح فلسطين بلون واحد ينتهي التموج داخل الثقافة، وتتغير خارطة الوجوه لتصبح ضمن شكل يحاكي الغبار أو الرمل أو "تعثر التراث" في اقتحامه للمستقبل.

ويمكن أن ينتقل المصطلح خارج حدود "التغريبة الفلسطينية"، لأنها في الواقع تغريبة عربية، فما حدث أعاد صياغة التفكير وربما بناء المجتمع الذي يظهر اليوم وكأنه مكتوب بشكل مخالف لما حدث قبلها، فلنكبة باللغة المعاصرة اشتقاقات مختلفة يمكن أن نسردها كي تصبح قاموسا مختلفا، فهي:

* الحدود التي جعلتنا نسبح في جغرافية متفاوتة، فقبلها وجدت الدول وفق ما سمي سايكس - بيكو وبعدها أصبحت الحدود "اجتماعية" يمكن قراءتها بشكل مختلف عن أي حدث سياسي، فهي حدود الأمن الوطني بعد أن أصبح الأمن الخاص بـ"الوجود الإسرائيلي" عنوانا توزعت عليه الجيوش وأجهزة الأمن. * هي أيضا تفاوت سكاني فقبلها لم يكن مصطلح "المخيم" مستوطنا عقولنا، وأصبح بعدها ظاهرة في قراءة المجتمعات أو حتى رسمها وربما تصنيف المدن القديمة إلى مراكز ومخيمات، فمن بقعة جغرافية جديدة أصبح السكان يحملون صورا غير مألوفة لأنهم ليسوا فلسطينيين بل "سكان المخيمات" الذين يجلسون على ثقافة خاصة "وافدة" أو "طارئة" أو مقيدة بما تقدمه "الإنروا". * هي أيضا خط سيفصل التفكير الاجتماعي ما بين متصالح مع الواقع، وآخر يمتلك الجرأة لامتلاك المغامرة كي يقتحم مستقبلا جديدا، فالمتصالح سينتقل عبر هذا الخط ليحمل نفطه تارة أو مبادراته متناسيا أن الأرض "هوية"، وأن الأسماء الفلسطينية تبحث في المستقبل وليس في تاريخ جزيرة العرب.

نكبة تشبه افتراق التاريخ لأنها قسمت البشر، وقطعت الثقافة وربما أعادت لنا التاريخ كومة من رماد، لأنها لم تحمل الموت إنما احتمالات فقدان الذات أو الغوص في الماضي، ففلسطين لم تكن جغرافية تائهة بل عنوان مختلف لمستقبل لم ننتبه أنه يسبقنا إلا في لحظات الظلمة والقصف الإسرائيلي، وفي الدقائق التي تفصلنا عن بقعة استيطان يتم التحضير لها أو بئر نفط سيصبح مستقبلا أداة ضدنا...

هل كانت نكبة علينا.... أما أننا أدمناها فبدأنا نصنع نكبات متلاحقة؟!! سؤال مفتوح لكن علينا تغيير هذا المصطلح حتى نستطيع التحرر من سطوة القهر الذي فرضه تاريخ 15 أيار علينا.