عوامل التهدئة السياسية تبدو أوفر من أشكال التصعيد الإعلامية، لكن إعادة التجميع السياسي في لبنان تكون حالة مقلقة لأنها تستحضر عناصر على الحد الفاصل ما بين التوتر والاستقرار، فإذا كان صحيحا أن الدور السعودي بقي حاضرا طوال السنوات الماضية،لكنه على الأقل كان يظهر في تكوين "الأدوار الإقليمية" أو ما كان يسمى بمشروع "الشرق الأوسط الجديد"، في وقت انسحب فيه الجيش السوري من لبنان، ليبدأ نوع من التشابك وإعادة فرز القوى في لبنان، وهذه المعادلة الصعبة لا يمكن تجاوزها فقط بظهور حكومة وحدة وطنية، أو بإعادة العلاقات السورية-اللبنانية باتجاه مسار طبيعي، فالشرط اللبناني للتهدئة غير واضح، وقضية القرار الظني ترتسم وكأنها باب لرسم هذا الشرط (التهدئة) من جديد. ما يحدث في عملية "التجميع" السياسي أنها لا تقوم على حسم المواقف، فالجميع يبدو مقتنعا بأن التوازن السياسي لم يحسم بعد رغم البوادر الإيجابية التي يتحدث عنها البعض، ويبقى حزب الله الجهة الوحيدة التي تنظر إلى هذا التوازن من زاوية الصراع مع "إسرائيل"، وذلك بغض النظر عن "الحراك" السياسي الداخلي اللبناني، أو المواقف الإقليمية المعلنة، وفي رؤية حزب الله مؤشرين أساسيين: الأول عدم الرهان على المعادلة الحالية كونها لا تقدم إستراتيجية مستقبلية، فهي انعكاس لمرحلة "أمريكية" تريد الإيحاء بالانفراج، بينما تبدو نقطة التماس في الصراع العربي - الإسرائيلي مشتتة من جهة، وخاضعة لـ"اعتبارات إسرائيلية" بالدرجة الأولى. الثاني اعتبار التوازن الداخلي أمر غير منجز طالما أن "إسرائيل" قادرة على "التهديد" وربما الاختراق السياسي المباشر أو عبر الواقع الذي يحوى قوات من جنسيات سياسية، أو حتى عبر أطراف سياسية تملك رهانات تصب في النهاية داخل "الرؤية الإسرائيلية". الأسئلة المفتوحة داخل لبنان لا يمكن حلها بعمليات التجميع السياسي التي يقوم بها بعض الأطراف، وعلى الأخص تلك التي توحي بمعادلة "الاعتدال" في مواجهة التطرف، أو بخلق "التسوية" في مقابل "الاحتلال" أو حتى باستبدال العدو بكل ما يخلقه من حالة اضطراب أو تشويش وصولا إلى الفوضى. عمليا فإن زيارة العاهل السعودي إلى بيروت ودمشق تقدم بانوراما لعمليات التجميع، فهي تقوم على قاعدة غير محسومة "استراتيجيا"،حيث لا تبدو المصالحة العربية قائمة على رؤية مستقبلية لأهم خطوط النزاع، وماتزال التقاطعات حول مسألة التسوية وتحديد العدو غائمة، وتتنازع فيها المواقف التي سرعان ما تظهر في لبنان أو عبر توجه الفرقاء في هذا البلد، ففي لبنان "جبهة" لم تتجمد استراتيجيا وهي وحدها القادرة على فتح احتمالات غير محسوبة كان آخرها حرب 2006، وفيها أيضا إمكانية العودة إلى التركيز على "تحديد" العدو، ولكن في المقابل فإن تحولات إقليمية تنشأ بعد هذا الحراك، وحزب الله، وربما حلفاء المقاومة، سيتحملون أبعادا جديدة نتيجة هذه الجغرافية - السياسية، ربما لا تصل لحرب أهلية رغم أنها ممكنة الحدوث، وقد تكون المقدمة لغاية أساسية هي في تثبيت "جمود" استراتيجي في لبنان ينتهي بـ"تسوية" إقليمية تلغي "الإرباك الإسرائيلي" الناجم عن فقدان "القوة العسكرية" لأي مضمون استراتيجي، وبالتالي العودة لمرحلة ما قبل عام 2000.