خرج نصر حامد أبو زيد من القالب المعتاد في مسألة المرأة بشكل غير مسبوق في مسألة "الدين"، فإذا كان البعض يصر على أن الدين أعطاها حقها، بينما في المقلب الآخر هناك من يحاول منحها مساحة مختلفة، فإن نصر حامد أبو زيد يضعنا أمام مساحة تاريخية لا يمكننا أن نتجاوزها، وربما من الصعب التوصل إلى رأي شخصي لكنه في النهاية أخرج المسألة من الجدل العقيم إلى حركة المجتمع وليس إلى الأحكام التي يبدو أنها خاضعة للتفسير أو الرؤية أو حتى التعصب. أعود إلى نصر حامد أبو زيد لأفهم أن التشريع في النهاية هو حراك اجتماعي مهما كانت الأحكام الشرعية، ففي كل زمن يمكن أن ننطلق إذا استطاع المجتمع أن يحمل معه دفقا من الإنتاج، أو حيوية للإبداع فتنطلق الأنثى كما ينطلق التفكير، تبدأ الحياة... فهي معادلة تاريخية وليست دينية، وهي أيضا صورة استطاع أن يقدمها أبو زيد ليس في موضوع المرأة بل بكل قراءاته الدينية التي أخضعها إلى أسئلة منهجية، فأعود إلى نصر حامد أبو زيد لأنني قادرة على الحياة المتحركة والتي تحمل معها كل الإمكانيات سواء أعجبتنا او تمنينا عدم وجودها. هل استطعت ان أفهم نصر حامد أبو زيد؟ ليس لدي جوابا متكاملا حول الموضوع لكنني على الأقل متمسكة بتلك الرؤية التي تبدو بالنسبة لي قلقا فكريا دائما، وتحمل معها أيضا رغبة في الاستمرار بعمليات الحفر والنبش حتى ولو كانت هذه العملية تتعلق بالماضي بينما آمالنا تتجه نحو المستقبل، ففي النهاية هناك "المعرفة" التي تمتاز بالحركية، وهناك العلم الذي لا يعرف المطلق لأنه ينتقل بشكل مستمر. الكلمات اليوم ستتحدث عن نصر حامد أبو زيد لكنني أريد أن "أشعر" بذلك الطيف الذي حمله معه وتركه بيننا رغم أنه غادرنا، فهو طيف يجعلنا نتحرك بشكل مستمر متمسكين بـ"شرعية" التفكير وبقدرته على منحنا "ميزة الإنسانية" وسط زمن لا يحمل سوى نماذج جاهزة يريد البعض لها أن تصبح حدود التفكير للجميع، لكن شعورنا بـ"الطيف" يمكن أن ينقل لنا الحماس من جديد لكسر الالتزام الذي انطلق به نصر حامد أبو زيد باتجاه التراث لكنه أعطانا كل ممكنات المستقبل. لا أريد أن أضع الموضوع في إطار من التعصب لمشروع نصر حامد أبو زيد، وأنا لم أقرأ أنه تحدث عن مشروع، لكن رحيله ربما يفترض قراءة مختلفة لما قدمه وربما تحديد إطار "المشروع الفكري" الذي يمكن أن نبدأ به، أو نعود إليه كي نستطيع بناء التفكير. يرحل دون أن يرحل طيف التفكير، ونقف لنحاول التفكير ونسعى لإعادة وضع الثقافة في إطار الأسئلة النقدية... أسئلة العلم المستمرة.