الولايات المتحدة قلقة على التكوين السياسي داخل "إسرائيل"، فهي على ما يبدو مهتمة بالائتلاف السياسي القائم حاليا بما يجمعه من طيف اليمين، وهذا الأمر يعكس عمليا عدم الرغبة للإدارة الأمريكية في جعل مشكلة المفاوضات المباشرة "شأنا إسرائيليا" يخلق أزمة، وهي تفضل أن تكون الخلافات على الجانب العربي، لأن الغرض حتى اللحظة هو فرز الأدوار الإقليمية وليس تكوين مرحلة جديدة من التسوية. بالنسبة للإدارة الأمريكية هناك وظيفة سياسية مستحدثة للشرق الأوسط، فهو ليس مجموعة أزمات فقط بل أيضا ممرا باتجاه "الأزمات" بالمعنى الجغرافي، سواء تعلق الأمر بأفغانستان أو إيران، فالمشكلة بالنسبة لها ليست في تأمين قواعد دعم عسكري ولوجستي، فالمهم بالنسبة لها ضبط إيقاع الأزمات بما يتوافق مع المحيط الذي يبدوأنه مؤهل للانفجار بحكم الصراعات التي تدور حوله. من هذه الزاوية يأتي "الحل الخلاق" المعني أساسا بتمكين "الحكومة الإسرائيلية" تجاوز تلك المرحلة، رغم أن الخلاف حتى اللحظة يبدو "إعلاميا" أو عائما على مساحة من البحث عن حلول "إستراتيجية" إن صح التعبير لموقع "إسرائيلي" إقليميا، فضبط الأدوار الإقليمية لا يستثني "إسرائيل" القلق دوما من تطور الملفات الشرق أوسطية دون ضابط يمكن أن يحكمها أو يضعها في مسار محدد. الاستيطان بالنسبة للولايات المتحدة هو شعار حقيقي تريد عبره تحوير الصراع، وإيجاد مفاهيم جديدة داخل الآلية السياسية، ونحن نلاحظ أنه يعلو على مسألة "الدولتين"، لأنه تجاوز كونه "أداة" لاستمرار المفاوضات أو تعطيلها، وأصبح النقطة التي يمكن الاستناد إليها في رسم أبعاد التسوية الحالية، فتجميد الاستيطان لا يعني كبح الاحتلال عند موقع جغرافي معين، لأنه الحافز المعنوي اليوم بالنسبة للسلطة الفلسطينية رغم أن القضايا المتشعبة الأخرى أخطر وربما أكثر صعوبة بالنسبة لمسار السلطة. عمليا فإن الحل الخلاق سيأخذ بعين الاعتبار أمرين أساسيين: الأول أن الاستيطان يملك غرضين هما تأمين الكثافة الديمغرافية إضافة للأمن، فهو يدفع لتهميش العامل السكاني الفلسطيني المتزايد من خلال سلبه الممكنات وجعله مشتتا وخارج المؤسسات في مقابل تجمعات منظمة ومزودة باحتياجاتها وقادرة على كبح المناطق العربية المجاورة عبر تماسها المباشر معها، ولنتذكر أن القاعدة الأساسية التي اعتمدتها "إسرائيل" هي إما أن تتجه المستوطنات نحو الحدود أو تتمدد الحدود باتجا المستوطنات، فالحل الأمني للمستوطنات أساسي هنا، وهذا يعني ترتيبات أشد صرامة داخل السلطة نفسها لمنع أي "انتفاضة" أو حتى احتكاك مع "المستوطنين القدامى". الثاني مفهوم الاستيطان يحمل بذاته معنى لنمو الدولة فالأمر بنيوي بالنسبة لـ"إسرائيل" التي ترى أن استكمال الدولة عملية مستمرة حتى ولو تم الانسحاب من غزة أو من بعض مناطق الضفة، وتجميد الحدود ضمن مفهوم التسوية يقضى على هذه الفكرة التي تشكل "عصب الدولة اليهودية"، فالحل الخلاق ربما يبدأ بتفكير بأن نمو الدولة هو كسر الحاجز الإقليمي، أو بمعنى آخر الخروج من "الاستيطان التقليدي" إلى "التطبيع الخلاق" وتجاوز الصيغ القديمة المباشرة في مسألة العلاقات مع "إسرائيل". الحل الخلاق لن يُعلن عنه لأنه تسوية من جهة وتجاوز لمفاهيم الأمن والتوسع التي تم اعتمادها من قبل "إسرائيل"، فهو "الحل الاستراتيجي" المرتقب دون أن يعني إيقاف الاستيطان المعروف حاليا على الأخص إذا بقيت المفاوضات المباشرة في مكانها من عملية التسوية.