مهما كان سقف التوقعات للمفاوضات المباشرة فإن صورتها الأساسية سترتسم على المساحة الإقليمية، فمع انتهائها ستبقى حزمة التفاوض تسير خارج "عملية التسوية"، لأن المفاوضات المباشرة وفق المؤشرات الحالية تهدف إلى اختراق الأزمات وليس إلى وضع آليات واضحة لها... كيف؟ سؤال لا بد من الدخول إليه من خلال الخارطة الحالية للشرق الأوسط، فأي نتائج مباشرة ستبقى بعيدة عن ثلاث جبهات على الأقل: الأولى غزة المرشحة لموجة جديدة من الضغوط، فحضور مصر في "مهرجان" التفاوض ليس إعلاميا، لأنه تثبيت لمسألة الشراكة في هذه العملية وبشكل يضع دورها الأساسي بشأن غزة في مواجهة أي حالة مستقبلية، فهي جبهة غير مشتعلة مرتبطة بالمعابر أحيانا أو بالتعامل مع حماس من أجل "المصالحة" ولكن من زاوية الحصار، وأخيرا خلق ضمانات ببقاء الخطوط الفاصلة بين المحاور العربية التي تظهر أحيانا إلى العلن وتغيب في أوقات أخرى تحت ستار "المصالحة". الثانية الجبهة اللبنانية المحمية بالقرارات الدولية، لكن قضية هذه الجبهة أكثر خطورة لأنها المعبر الإقليمي نحو أزمات متشعبة، ابتداء بالموضوع الإيراني ومرورا بالسوري وانتهاء بالتكوين اللبناني الذي يعني "أمن إسرائيل" أيضا. فالتحرك على الجبهة اللبنانية ليس أمرا اعتياديا، وربما حمل الصراع على هذه الجبهة أحداثا كان لها علاقة بتحولات حادة في الجغرافية - السياسية للشرق الأوسط، فهي كانت نقطة الانطلاق لرسم الاستقطاب داخل العالم العربي عموما. الثالثة هي جبهة الجولان التي يعتبرها البعض "محيّدة" بحكم عملية فك الارتباط، لكنها تبدو جبهة "هشة" بالمعنى السياسي لأنها نقطة العبور باتجاه عملية التسوية، فتحولات خط الفصل بين "إسرائيل" وسورية تحول من معناه العسكري باتجاه شكل سياسي، حيث لا تبدو التسوية قادرة على المضي دون البحث في تفاصيل مسألة "الجولان". عمليا فإن جبهة الجولان معبر باتجاه الأزمة فهو رسم أدوار إقليمية متعددة لدول الشرق الأوسط كان آخرها الدور التركي، وهو أيضا قدم محاور الصراع القادمة التي طرحت ثلاثية حزب الله وإيران وسورية، وذلك وفق الصورة التي يعشقها الإعلام الغربي، فيتحدث عن فصل دمشق عن طهران كبداية لأية تسوية قادمة. الجبهات السابقة سترتسم من جديد لأن مفاوضات واشنطن تسعى لتقديم محور للاعتدال بشكل مختلف عما سبق، فهي تجمع "نجوم السلام" إن صح التعبير، والدول الحاضرة ستصبح شريكا كاملا بالالتزامات المترتبة عن أي اتفاقات جديدة، فهل يمكن فهم الأزمات القادمة على ضوء ما يحدث الآن؟ لا شك أن إدارة الرئيس باراك أوباما تستعجل التوصل إلى تفاهمات على الأقل لأن ما تريده هو حسم المواقف لدول لم تشارك في "السلام" حتى الآن، وهي تريد رسم الجبهات القادمة أو ربما عزلها داخل جغرافية لا تتيح "محاور" المقاومة، ومثل هذه الخطوات تتم بآليات سياسية وليس بحروب سريعة أو استباقية، لكنها في النهاية تهيأ لبيئة نزاع خاصة يمكن فيها تغيير قواعد الصراع... وهو ما سنشهده خلال المرحلة القادمة من عمر الإدارة الأمريكية الحالية