في تقرير بيكر هاملتون لم تكن الملاحظة حول سورية وإيران مرتبطة فقط بمسألة "الوضع العراقي"، فالتقرير الموضوع أساسا لاستيعاب نتائج احتلال العراق لكنه في نفس الوقت قدم مؤشرات حول "المساحة الأمريكية" في تعاملها مع أزمات "تخلقها" من أجل النفاذ إلى مصالحها، ففي نفس الوقت ظهرت عددا من الدراسات والتقارير تحدثت عن "انتقام الجغرافية"، وهو موضوع ارتبط عمليا بدراسة الجغرافية - السياسية للمنطقة، فهذا "الانتقام" هو "عقدة المنطقة" حسب بعض مراكز الأبحاث. عمليا فإن انتقام الجغرافية ليس مفهوما جديدا، لكنه عاد في مرحلة ما بعد الاحتلال العراقي للظهور بشكل واضح في مسألة "الرؤية الجيبولوتيكية" للمنطقة، حيث لا يوجد توافق ما بين السكان والجغرافية في الواقع العراقي مثلا وهو ما أدى إلى التوزع المذهبي، لكن المسألة في الدراسات الحديثة تملك بعدا آخر، لأنها محاولة للتعامل مع "إيران" من جهة، ومع صورة الشرق الأوسط بعد احتلال العراق، حيث كان من المفترض لطبيعة الدور الإقليمي الإيراني في العراق أن يلقي ثقلا واضحا على علاقتها بباقي تداعيات الأزمة وعلى الأخص في فلسطين، لكن ما حدث لم يكن يسير بهذا الاتجاه حيث واجهت المنطقة مسألتين:
- الدور الإيراني غير المحايد، فهو عمليا لا يشكل حالة متوازية مع "إسرائيل"، ولم يدفع الوضع في العراق طهران إلى رسم المنطقة وفق تصور لا يمتد باتجاه البجر الأبيض المتوسط، فإيران التي تملك في جغرافيتها احتكاكا مع منطقة الحرب الأساسية في أفغانستان، فهي أيضا اختبرت التماس في حدودها الغربية وقدرة إثارة الأزمات من خلال "الجغرافية الهشة" بينها وبين العراق.
- "الاضطراب الشرق أوسطي" إن صح التعبير، فالبنى السياسية التي بدت قوية على امتداد أكثر من نصف قرن بدأت بالتآكل مع مجرد البحث عن نقاط صراع جديدة تستبعد "إسرائيل" من هذا الموضوع. فالمسألة ليست فقط في أبعاد إيران كنظام سياسي يحمل تناقضا مع الاستراتيجيات الدولية، بل كدولة تمتلك حيوية تدخل في سياق المنطقة وليس فقط وفق الحسابات الدولية الناشئة منذ اكتشاف النفط. ربما نستطيع البحث بشكل دائم عن دوافع "عقائدية" في مواقف طهران، ولكن الواضح في النهاية أن "نظام الشاه" سابقا لم يكن بعيدا عن خارطة الشرق الأوسط التي تأخذ في الحسبان التوازن بوجود "إسرائيل"، لكن إيران نفسها ليست نظاما سياسيا فهي سياق تاريخي دفع في النهاية إلى حسابات جديدة في التوازن الإقليمي. عقدة المنطقة ظهرت بعد احتلال العراق في عدم القدرة على إيجاد "عزل جغرافي" عن نقاط الأزمات الأساسية، وهو ما جعل العلاقات بين طهران ودمشق وكأنها خارطة الطريق لاستيعاب نتائج احتلال العراق، رغم أنه بين الدولتين منطقة مليئة بالقوات الأمريكية، وهو ما دفع أيضا إلى دخول تركيا على هذه المعادلة، ليجعل من "عقدة المنطقة تلتقي على الخط الفاصل بين طهران ودمشق.