لكل بلد نصيبه مما نشر على موقع ويكيليكس، وعلى عكس ما نتوقع فالعالم لا يبدو مكشوفا، ولا تظهر السياسات واضحة المعالم، فما تم نشره يقدم نوعا من "الخلفيات" التي باتت معروفة بشأن الكثير من استراتيجيات الدول، أو علاقاتها مع الولايات المتحدة على وجه التحديد، ولكن السؤال إلى أين ستوصلنا تلك الوثائق؟ عمليا فإن خارطة الخصوم أو الحلفاء بقيت نفسها، حتى ولو انزعجت بعض الدول من "الكلمات" المستخدمة، أو من إمكانية اختراق "خصوصية" السياسة الدولية إن صح التعبير، ويبقى التوقف قليلا عند "الفوضى" التي بدا عليها العالم عشية نشر تلك الوثائق، فالموقع اختار أن يضعها كما هي بدون أن تشكل أي مشهد خاص، أو تساعد على ترتيب الوقائع للوصول إلى الاستنتاجات، وربما سننتظر وقتا حتى تظهر دراسات مختلفة تخرج عن إطار الحالة "الفضائحية" التي رسمها الموقع للسياسة العالمية. الاختراق الأساسي في وثائق ويكليكس الخاصة بالشرق الأوسط تبدو في تأكيد حالة الافتراق السياسي، حيث لا يبدو العالم مأزوما بنفس المشاكل أو نفس التناقضات التي تصورها تلك الوثائق بشأن لبنان وغزة وحتى العراق، فالتوجهات السياسية تبدو من خلال المحادثات التي سربها نفس الموقع، علما أنها لا تنقل كافة التفاصيل، صورة لا تعكس الخلافات بل ربما استحالة تقديم "طريق مختلف" يستطيع استيعاب الجميع، فالوقوف اليوم على كم المعلومات المتوفرة ربما لا يكشف أسرارا لكنه يوضح أمرين: أولا: عدم قدرة الطبقة السياسية العربية عموما على النظر إلى الشرق الأوسط بذاته، ودون إدخال العوامل الأمريكية تحديدا في تركيبته، وباستثناء بعض الوثائق فهناك تأكيد على عدم الرغبة او القدرة في "تمثيل" الشرق الأوسط دون إلحاقه بالإستراتيجية الأمريكية التي يبدو أنها إذا انسحبت فسينتهي هذا الشكل السياسي المرهق لمنطقة تبدو وكأنها مؤسسة على الأزمات. في العديد من البرقيات لا يظهر فقط مسألة الترتيبات بالتنسيق مع الولايات المتحدة، بل أيضا العجز عن التعامل مع "البلد" بدون "الظهور الأمريكي" الفاقع، فالغريب في الوثائق ليس التوجه الأمريكي أو مواقف الحلفاء، بل عدم وجود بداية او نهاية لهذا التنسيق وكأنه أبدي أو موجود بقوة "ظهور الشرق الأوسط" بذاته. ثانيا: الصورة المرسومة أمريكيا لمنطقتنا على أنها شبكة من السياسات التي يمكن أن تبقى في ظل التحرك الأمريكي، فالحالة المقلقة فيما يحدث أن معظم أقطاب النظام العربي يشكلون "الثابت السياسي" الوحيد داخل السياسة الأمريكية، فما تنقله الوثائق ليس تنسيقا بل تحصيل حاصل، أو حتى "جردة حساب" ضمن سياستها، فحتى ولو ظهرت بعض الكلمات الجارحة حول بعض الشخصيات أو السياسات لكنها مجرد تعبير لا يغير من الموضوع شيئا، فهناك "ثابت" يضاف تلقائيا إلى الإستراتيجية الأمريكية مكون من مجموعة شخصيات وتيارات وأنظمة. هذه الصورة مرعبة لأبعد الحدود، لأنها تصفعنا بواقع ربما نعرفه لكننا اليوم نستطيع تلمسه بالوثائق ودراسته عبر المعلومات المتوفرة ودون الحاجة إلى تخمين أو "مصادر مطلعة"....