الكاتب : ظافر الجنابي

’لا أعرف أي بلد آخر ساعد إسرائيل كما ساعدتها فرنسا’ شمعون بيريز

قد تصلح هذه الكلمة التي قالها الرئيس الاسرائيلي شمعون بيريز مدخلا الى فهم الدور الفرنسي في المنطقة , والذي امتاز بالتقلب والتذبذب , خصوصا ان مثل هذه الكلمة او قريبا منها من الممكن ان تأتي على مسؤولين عرب , ربما اعتبروا فرنسا الاقرب اليهم من بين دول المنظومة الغربية .

يتحدد الدور الفرنسي في المنطقة بعدد من المؤثرات الثابتة والمتغيرة , والتي ترسم هذا الدور وتحدد مداه وموقعه من القوى المؤثرة اقليميا ودوليا .

لعل ابرز هذه المؤثرات هي ما تتعلق بالماضي الاستعماري الامبراطوري لفرنسا , وهذا الماضي رغم افوله , يبقى حاضرا ,ان لجهة المحاولة الفرنسية الجاهدة للتشبث باذيال امجاد الامبراطورية , او لجهة ما يوفره هذا الماضي من ادوات ومعرفة وعلاقات وروابط , او لجهة مايمليه احيانا من مسؤوليات تجاه المستعمرات القديمة . وهي في هذه النقطة تتلاقى مع غريمتها التاريخية بريطانيا , ولكن الفرق في الحالة البريطانية , ان الاخيرة نجحت في انجاب بنات نجيبات , لاتجد غضاضة في الانضواء تحت جناحهن , مثل امريكا واستراليا وكندا , في حين ان فرنسا لم تحظ بمثل هؤلاء البنات النجيبات .

وقريبا من هذا اللهاث الفرنسي وراء امجاد الماضي الاستعماري , هناك المحاولات الفرنسية الجاهدة للمحافظة على مكانة الثقافة الفرنكفونية , في وجه اكتساح لغة العولمة الانكليزية لاخر معاقلها .

جانب اخر يواكب هذين الجانبين , ففرنسا رغم انها اول دولة اوربية قررت فصل الدين بشكل نهائي عن الدولة , الا انها لازالت تعتبر نفسها المدافع عن حقوق المسيحيين , وخاصة الكاثوليك في المنطقة , وهو دور حاولت فرنسا لعبه تاريخيا – لاهداف قد تكون بعيدة عن الدين احيانا - , لعل احدث مثال على هذا الميل الفرنسي اعلان فرنسا استعدادها لاعطاء عدد من المسيحيين العراقيين اللجوء على اراضيها , بعد حادثة الهجوم على كنيسة النجاة في بغداد , وهو ما اثار ردود فعل مستنكرة من معظم الاطراف العراقية والدولية .

الدور الفرنسي في المنطقة ايضا يتحدد بمواكبة الدور الامريكي , وهذه المواكبة لا تستلزم بالضرورة ان يكون الدور الفرنسي ذيلا للدور الامريكي , رغم انه مرتبط به قوة وضعفا ارتباطا هو اعقد من ان يوصف بانه طردي او عكسي , ففرنسا تمشي احيانا في ركاب واشنطن , واحيانا اخرى تسير السياسة الفرنسية على هامش السياسة الامريكية , واحيانا يقوى الدور الفرنسي عند ضعف الدور الامريكي وانسحابه محاولا ملأ الفراغ الذي يتركه هذا الانسحاب,. وفي احيان قليلة جدا تتسم العلاقة بين الدورين بالاختلاف والتناقض , وهذا التناقض برز في اشد حالاته في موقف البلدين من غزو العراق .

ففرنسا عارضت بشدة الغزو الأميركي للعراق، وهذا ادى الى تراجع لدور الفرنسي كثيرا في أواخر فترة حكم الرئيس السابق جاك شيراك , وهذا التراجع لايعود فقط الى التضارب مع اللاعب الاكبر في المنطقة , بل يعود ايضا الى ان الاحتلال الأمريكي للعراق حرم الفرنسيين من علاقة بالغة الأهمية، مع دولة ذات اهمية خاصة في المنطقة هي العراق. وهي علاقة كانت لها ابعاد اقتصادية وسياسية رئيسية.

فقد كان الطابع السائد للسياسة الخارجية الفرنسية في المنطقة خلال العقدين الماضييين هو تطبيع العلاقة مع الأنظمة ذات التوجهات العلمانية. وكان أكثر الداعين لهذا التوجه ’جون بيار شوفانمان’ وزير الدفاع الفرنسي في عهد ميتران، ووزير الداخلية في عهد جوسبان، ، وهو الذي طوّر العلاقات الفرنسية- العراقية. ومع وصول ساركوزي إلى الرئاسة الفرنسية بدأ هذا الدور يعود تدريجيا، بعد أن أضحت السياسة الخارجية الفرنسية مهيأة لتحولات مهمة، من خلال تبني سياسات ومواقف تقرّبها أكثر من السياسات الخارجية الأميركية. وفي محاولة لاستعادة الدور الفرنسي في المنطقة اتخذت فرنسا ساركوزي عددا من المبادرات في لبنان وفلسطين والعراق والخليج , بالاضافة الى مشروع ’الاتحاد من أجل المتوسط’.

هذه المبادرات اتسمت في كثير من الاحيان بطابع الشكلية والرمزية , وحملت في الاساس اهتمامات اقتصادية , والا ما الذي من الممكن ان يقدمه مثلا انشاء قاعدة فرنسية في الامارات العربية المتحدة تضم بضع مئات من الجنود في منطقة تغص بالجيوش والاساطيل المسلحة حتى اسنانها .

واذا كانت محاولات فرنسا للوساطة في الصراع العربي – الاسرائيلي لم تأت بنتيجة تذكر , ان على الجانب السوري أو الفلسطيني , فان مشروع ’الاتحاد من أجل المتوسط’ لم يحظ هو الاخر بنهاية افضل وغرق في تفاصيل الصراعات العربية الاسرائيلية .

الى ذلك , حاولت فرنسا ان تعود بقوة الى الساحة اللبنانية، التي غابت عنها بعد نفي العماد ميشال عون الى فرنسا. وعمدت فرنسا الى محاولة الدخول مجددا الى لبنان عبر محاولة تحسين العلاقات مع سوريا. ويمكن الاعتقاد بأن الاهتمام الفرنسي الجديد القديم بلبنان، يعود الى شعور فرنسا بتراجع دورها ونفوذها في مجمل المنطقة، والى تراجع صورتها كقوة عالمية ، لصالح النفوذ الأمريكي المتسع باستمرار.