الكاتب : عامر عبد السلام

بعد يومين أو أكثر تتنهي الساعات الأخيرة من عام 2010 لندخل ونحن متفائلين للعام القادم وبيدنا الخطة الخمسية الحادي عشرة والتي من المفترض أن تحقق ما لم تحققه الخطة العاشرة.

فالأرقام التي خرجت من أبواب المكتب المركزي للأحصاء تقول أن نسبة نمو الناتج الإجمالي هي 5.8 % للعام الماضي، نتساءل إن هذه النسبة ذاتها قبل خمس سنوات! فماذا فعلت الخطة الخمسية العاشرة بسنواتها الماضية؟!، وعندما نعلم أن نسبة البطالة 8.2 % على ما هي عليه، وأن نسبة الفقر ـ للأسف ـ إزدادت، فإذا هي رؤية جديدة لمستقبل الاقتصاد السوري الذي يقف على أعتاب عام 2011 محملاً بأثقال عشرة سنوات يحاول جاهداً أن يغير ما استطاع إليه سبيلا...

الاقتصاد السوري بكافة قطاعاته في امتحان مقدرة الوقوف على قدميه كما يراد له، فالأزمة التي أكلت أحشاء اقتصادات دول العالم، وقفت على أبوابنا ـ وفقاً لتصريحات المسؤولين الكثيرة ـ ولم تدخل إلى نسمات وفي بعض القطاعات، لكن هذه النسمات لم تخرج وإنما استقرت وجذرت وتمتدت، فيما مصدر الأزمة ومكونها انتهى منها وبدأ بالانتعاش، ونحن مازالنا نقول أن الأزمة المالية تفتك بقطاعاتنا وتحاول تدميرها.

افتكرني...

فالصناعة السورية ومنذ أن بدأت الحكومة السورية باتخاذ الخطوات لتحرير التجارة ـ وحررتها ـ وهي تئن تحت وطأ الكثير من النوائب، فحوامل الطاقة من جهة، والبضائع المستوردة من جهة ثانية، ليأتي بعد ذلك القطاع العام ويقول أنه سيعمل ضمن قوانين القطاع الخاص، فلا هو أتى بربح الخاص ولا أفاد السوق المحلي، ومشكلة الغزول التي مازالت بين شد وجذب من قبل الصناعيين والمؤسسة العامة للصناعات النسيجية إلى مثال حي وواضح على تخبط المرحلة الصناعية التي يعيشها القطاع العام الصناعي، حتى أن الكثير من الصناعيين قال عن هذه المرحلة بأنها مرحلة إطلاق رصاصة الرحمة على الصناعة النسيجية في سورية، لكن ومع قراءة حجم الناتج المحلي الإجمالي السوري نجد أن أنه وصل إلى 2.5 ترليون ليرة سورية والقطاع الصناعة والتعدين احتل المرتبة الأولى إذ وصلت مساهمته إلى 789 مليار ليرة سورية مقسمة بين القطاعين العام 659 مليار والخاص 192 مليار ليرة سورية، فيما حلت الصناعة التحويلية بالمرتبة الثامنة بقيمة 139 مليار ليرة منها 10 للقطاع العام و129 مليار للقطاع الخاص.

وبوجود القطاع الصناعي على رأس القائمة جعل الاهتمام الأولية لها في كافة القرارات والقوانين والتشريعات إذ تم إصدار مرسوم دعم الصناعات الناشئة وإعداد مشروع إنشاء صندوق تنمية الصناعية لتكون قادرة على المنافسة مع المنتجات الأجنبية، فيما أكدت عدة تصريحات من قبل المسؤولين من وزارة الصناعة والحكومة أن الهدف أن يصل الناتج الصناعي إلأى 17 % خلال السنوات الخمس القادمة، فيما يرى عدد من الصناعيين أن ما جرى في السنوات الخمس الماضية غير مبشر بالخير بالنسبة للسنوات القادمة خاصاً وأن عدد كبير من الصناعيين غادروا الأراضي السورية للاستثمار في دول عربية أخرى.

الرحيل..

أشارت الأرقام إلى أن القطاع الزراعي أتى في المرتبة من النانج الإجمالي المحلي بقيمة 530 مليار ليرة سورية وأظهر تفوقاً القطاع الخاص بمساهمته 528 مليار ليرة سورية والباقي للقطاع العام، قد يكون هو السبب الذي دفع المسؤولين لعدم رؤية الزراعة على أنها الكنز الذي يجب أن تستغله الحكومة السوري بإنشاء بنية تحتية كاملة لهذا القطاع، ورغم إنشاء صندوق تنمية الزراعة وتأكيد المسؤولين إلى حاجة الاقتصاد السوري إلى تغيير جذري في نمط الإنتاج والإنتاجية الزراعية للاستمرار في تأمين الأمن الغذائي السوري، إلا أنها لا تعد الزراعة مصدر دخل ممكن للريف السوري، باعتبارها ذات منفعة حدية متضائلة ومتناقصة مع الزمن وتشكل معضة واضحة للاقتصاد السوري.

فالزراعة في سورية مازالت ـ رغم أيدي القطاع الخاص ـ بدائية بالمفهوم العالمي، وبتأكيد عدد من خبراء الزراعة الذين يلهثون بشكل يومي على أبواب وزارة الزراعة وغيرها للحصول على المقومات الأساسية للعمل الزراعي لكن دون جدوى، خاصة مع وجود البيرقراطية وعدم التخطيط الزراعي الممنهج والذي لا يعتمد على الاحتمال.

علماً بعد كل ذلك أن النائب الاقتصادي وبجلسة غير رسمية أكد أنه من الضروري الإقرار بأن معدلات نمو قطاعات الصناعة التحويلية والخدمات والسياحة والمال والتأمين والعقارات والتجارة وغيرها من القطاعات ستكون أسرع بكثير من معدل نمو الزراعة.

وما سبق..

قد تكون السياحة هي الحلقة الأقوى بين الثنائية المعضلة السابقة، فجميع الأرقام ـ رغم تعارضها في بعض الأحيان ـ إلا أنها المتفائل الوحيد على الساحة الاقتصادية السورية، فهذا العام ولغاية الشهر الماضي دخل سورية وحسب تصريحات وزير السياحة أكثر من 8 ملايين سائح، والمتوقع حتى عام 2015 أن يدخل سورية حتى 14 مليون سائح في العام، مما يعني أن الأرقام تؤكد أن الرقم السياحي بألف خير، لكن التساؤل الذي يطرح كل عام، هل البنية التحتية للمقوم السياحي مناسبة للعدد المصرح به؟ وهل هناك آلية لتطوير مطارح سياحية جديد غير المطارح التقليدية التي نعرفها جميعاً؟ وأين المشاريع التي يتم طرحها كل يوم، وتشمل ضمن المشاريع المشملة والتي تعد بالمئات؟ وهل السائح هو الذي يأتي من خارج سورية فقط؟.

وبلغة الأرقام فإن مصر يدخل متحفها الوطني مليون سائح فقط سنوياً، فكم يدخل للمتحف الوطني في دمشق؟ السؤال مجرد تساؤل يطرح على مسؤولي السياحة الذين للآن لا يملكون إحصائيات أو معلومات دقيقة عن طبيعة السياحة الداخلية السورية، وأين بالفعل يذهب هؤلاء السواح الداخليون، إن عرف مسؤولوا السياحة أين يذهب السواح الخارجيون وماذا يزورا في سورية أولاً.

التصدير..

عام 2010 قد يكون عام التصدير بجدارة، رغم ما مر عليها من نكبات، وانتكاسات إلا أنها استمرت بمعدلات ثابتة وبجهد مضني تستحق عليه الثناء، خاصة ونحن أمام 830 استمارة تقدمت بها 55 شركة لتنال الدعم عن الرسوم والضرائب والتأمينات لإثبات مصداقية الحكومة بتقديم الدعم لمن يتقدم بأرقامه الحقيقية، هذه الأرقام في الشهرين الأخيرين من العام الحالي.

إلا أن الأخذ والجذب أتى على التصدير وعلى القائمين عليها منذ أن تم إنشاء الهيئة ضمن المرسوم رقم 6 لعام 2009، وإنشاء اتحاد المصدرين ضمن المرسوم رقم 27 لعام 2009 أيضاً، إلا أن عدد الشركات التي تقدمت إلى الهيئة لتحصل على الدعم لم تتجاوز الـ 1 % من عدد الشركات الإجمالي العاملة في سورية والتي تقدر بـ 5000 آلاف شركة مصدرة رغم أن التوقعات تقول أكثر من ذلك.

فرغم تعثر خطوات التصدير في بداية إنشاءه ونتيجة تعنت وزارة المالية بعد إعطائهم المبالغ المستحقة إلا أن الاتفاق الأخير أتى لمصلحة المصدرين، لكن النتائج النهائية لهذه العملية كلها لم ترسم على الأرض في الوقت الحالي، وإنما ستظهر نتائجها في الأيام القليلة القادمة.

وبتلاحم التصدير بالتجارة تبين لنا أرقام المكتب المركزي للإحصاء أن قطاع التجارة بالمرتبة الرابعة من الناتج الإجمالي المحلي بقيمة 427 مليار ليرة منها 87.242 ملياراً للقطاع العام و339 للقطاع الخاص مما يظهر سيطرة القطاع الخاص في هذا القطاع، مع تشجيع القرارات والقوانين الصادرة على إنشاء الشركات الصغيرة والمتوسطة والتي تعد عماد اقتصاد السوق إذ تركز الحكوم في المرحلة القادمة على توفير التمويل لهذه الشركات من خلال فتح عدة مصارف وتوطين هذه الشركات من خلال تنظيمها بتطوير نظام المحاسبة والتدقيق والتي يسمح لها بالتعامل مع المصارف مطالبة بالاقتراض، وبالإشارة لقرار رئيس مجلس الوزراء بتخفيض احد الأدنى لرأسمال الشركات لتخفيض التكاليف المطلوبة لتأسيس الشركات ولتكون حافزاً مشجعاً لتأسيسها ورغم أنها توضيات من البنك الدولي إلا أنها تعكس سهولة البدء بالأعمال مع النظر إلى حجم الأعمال التي تقوم بها هذه الشركات وليس رأسمالها الفعلي.

كل ذلك لهدفين تحسين بيئة الأعمال وتطويرها، والانضمام لمنظمة التجارة العالمية (WTO) مما يساعد على توسيع المبادلات التجارية والنمو الاقتصادي وذلك عن طريق تسهيل تدفقات البضائع من صادرات ومستوردات وما يرافق ذلك زيادة الطلب الخارجي على المواد المنتجة وبالتالي زيادة النمو ودخول إضافية من النشاطات التصديرية، وتأتي هذه الزيادة في النمو والدخل من زيادة تدفق رؤوس الأموال الأجنبية وزيادة الاستثمارات في سوريا مما يدفع من عجلة التنمية والنمو الاقتصادي مما يؤدي إلى زيادة الدخل عن طريق خلق فرص عمل وزيادة التوظيف فيزيد بذلك تنوع البضاعة السورية المصدرة المصنعة ونصف المصنعة ذات المحتوى التكنولوجي والقيمة المضافة الأعلى.

ومازالت وصمة..

مع كل ما ذكر لابد من ذكر الاحتفال الكبير الذي رعاه النائب الاقتصادي، وحضور عدد كبير من الوزراء ليخرج المحتفلون بسرعة لحضور اجتماع أخر، وسقوط الحاضرين بدهشة، فماذا حصل؟!! الذي حصل أنه كان احتفال بإطلاق تقرير التنافسية، والمفاجئة أن التقرير غير موجود، مما يؤكد مشكلة واقع بها الاقتصاد السوري مما أدى لعدم إخراجه، وحتى بعد الشهر والنصف التي تم ذكرها بالاحتفال، وحتى كتابة هذه السطور مازال التقرير قابع في الأدراج ولم يتم تسريب أي معلومة عنه، إما لشدة هجومه على الاقتصاد السوري وإظهار الوجه الحقيقي الذي وصلنا إليه، أو لعدم استطاعته حصر لكم الإنجازات التي وصل إليها الاقتصاد السوري في الوقت الحالي!!!!!!!!

فمن يعلم؟!

ونذكر هنا أن سورية التي دخلت للمرة الأولى في تقرير التنافسية العالمي عام 2007 واحتلت المركز 80 من أصل 131 دولة شملها التقرير، لم تتقدم أكثر مرتبتين في العام 2008 لتحصل على الموقع رقم 78 من أصل 132 دولة، لكن عام 2009 حمل مؤشرات تنافسية متراجعة بل يمكن القول إنها متدهورة، إذ تراجع ترتيب سورية على مؤشر التنافسية العالمي 14 مرتبة لتحتل المرتبة رقم 94 من أصل 133 دولة، وبالتالي فإن سورية في العام 2009 كانت ضمن آخر 39 دولة في التقرير مع مجموعة من الدول الأفريقية وغيرها التي ينظر إليها تنموياً على أنها من أشد الدول تخلفاً (كينيا، وتانزانيا، وأوغندا، وزامبيا، وغانا،، ونيجيريا، وكمبوديا، وتشاد، وبنغلادش، والباكستان، وطاجكستان) ولا يوجد أي دولة عربية سوى سورية ضمن آخر 39 دولة في التقرير، ويسبق سورية عدد من الدول (سيرلينكا، والسلفادور، وبيرو، ومقدونيا، وناميبيا، وفيتنام) وغيرها من باقي الدول الصغيرة ما بين 15 إلى 20 مرتبة في تقرير عام 2009.