الكاتب : حازم خضر

سقط الرئيس حسني مبارك ، لم يسقط . ساعات طويلة من الترقب عاشها ملايين المصريين وأكثر منهم حول العالم، في الجوار الجغرافي المباشر بكل تناقضاته : إسرائيليا في ظل قلق كبير من أي مس بالجوار الجنوبي الهادئ والمضبوط أمنيا منذ كامب ديفيد 1978 . وفلسطينيا أملا بتغيير يعيد ترتيب الصورة جذريا و إبعاد لصورة الموقف الرسمي المصري الهزيل من الحصار والعدوان على قطاع غزة عام 2008 -2009. وصولا إلى ما وراء البحار حيث تحول البيت الأبيض والدوائر الأمريكية العليا إلى ورشة عمل بحثا في تطورات الأوضاع المصرية المؤثرة بعمق على صورة الشرق الأوسط برمته وعلى المصالح الأمريكية عبر بوابتها الإسرائيلية بشكل خاص. ولدرجة أن ثلاثة مواقف رسمية أمريكية صدرت بعد ساعات من مظاهرات يوم الغضب المصري قبل أن يبث التلفزيون المصري خطاب الرئيس حسني مبارك.

كل تلك العناوين فرضت حضورها وأكثر منها في الخفاء وعبر الاتصالات غير المعلنة استخباراتيا وعبر السفارات وآلاف الجواسيس والعملاء الذين ازدهرت تجارتهم في ظل " كامب ديفيد". ولم يخف الأوروبيون أيضا قلقهم مع استنفار عبرت عنه باريس ولندن خوفا من تقهقر أكبر في وضع أحدى أكبر الدول في المنطقة ،كما وصفها الرئيس المصري نفسه ، بل ومن المرجح أن يزداد التعلق أملا أو قلقا من تكرار السيناريو التونسي وهو ما دفع واشنطن للتلويح بقوة بملف المساعدات كونه الأكثر تأثيرا على القاهرة من جانب ، فضلا عن أنه الخيار المتوفر والظاهر إعلاميا مع عدم معرفة أبعاد الخيارات الأخرى ومنها ما يخص تحديدا الاتصالات التي أجرتها واشنطن مع رئيس أركان الجيش المصري الفريق سالم عنان قبل أن يغادر واشنطن بعد تدهور الموقف عائدا على بلاده.

الجولة الأولى من يوم الغضب انتهت بتقدم كبير للمتظاهرين أقلقت الحليف الأمريكي ودفعته للبحث في حسابات كانت مؤجلة على الأقل في الفترة الراهنة. ولكن تلك المظاهرات لم تصل ،في المقابل ، إلى حسم الوضع وتحقيق ما رفعته من إبعاد للرئيس مبارك وتشكيل حكومة انتقالية وتحقيق الإصلاحات.

والتطورات مفتوحة على كثير من السيناريوهات وتتمحور على الأرجح حول ثلاثة احتمالات ، الأول : نجاح حركة المتظاهرين وبالتالي التخلص من النظام المصري الحالي وذلك من شانه أن يبدل بشكل دراماتيكي الأوضاع في المنطقة برمتها ويوجه بشكل خاص أقوى ضربة للمشاريع الأمريكية في المنطقة منذ سقوط نظام الشاه في إيران عام 1979 ، كما يعيد ترتيب أوراق الصراع العربي ـ الإسرائيلي ما يفسر مدى القلق الأمريكي والإسرائيلي من التطورات المصرية. والثاني: سيطرة مبارك على الأوضاع وفشل حركة التظاهر ما يجهض الحراك ويجبر مبارك على إجراء إصلاحات عميقة بضغط أمريكي وغربي هذه المرة انتبه الى حجم التذمر الداخلي وتهديده مصير أحد أقرب الأنظمة الى الغرب. والثالث إجراء تسوية بين المتظاهرين والنظام وبرعاية الجيش حامي الدستور بحيث يحقق المتظاهرون بعض من مطالبهم العاجلة من قبيل تحقيق إصلاحات سياسية عميقة وطرد شخصيات فاسدة كبيرة في الحزب الوطني الحاكم وإجراء تعديل دستوري يحدد ولاية الرئيس ومدتها . في المقابل يواصل الرئيس مبارك ولايته حتى أيلول القادم حيث تجري الانتخابات الرئاسية.

وبانتظار ما ستفرضه حركة الشارع ورد فعل الجيش المصري الجميع يقف منتظرا لكن الفرق جذري بين من يتطلع لنجاح المتظاهرين أو فشلهم.