رفض الرئيس المصري حسني مبارك الاعتراف بالهزيمة أمام مطالب شعبه بالتنحي عن السلطة، إذ خرج منتصف ليل أمس بخطاب تخديري، لم تتخط عباراته تلك الشعارات التي حملها نظامه المتهالك في التنمية والديموقراطية والإصلاح، مصرّاً على استكمال معركته الخاسرة ضد الشعب المصري، الذي خرج منه، في جمعة الغضب، يوم أمس، مئات الآلاف طالبوا برحيله، ونجحوا في أقل من ساعتين في ضرب أسس نظامه الأمني، وتحدوا قرارات حظر التجوال والتلويح بورقة الجيش، الذي نزل بحذر إلى الشارع، وسط تساؤلات عن دوره المحتمل في الأزمة.

واكتفى الرئيس المترنح بكلمة مقتضبة إلى المصريين، قال فيها إنه طلب من رئيس وزرائه أحمد نظيف تقديم استقالة الحكومة وأمر بتشكيل حكومة جديدة، متجاهلاً الحرائق التي ما زالت نيرانها مشتعلة في القاهرة وباقي المدن، وشبح الفوضى الذي يحوم فوق أراضي مصر.

وفي خطاب أظهر انفصاله عن واقع الشعب المصري، قال مبارك إن طريق الإصلاح الذي اخترناه لا رجوع عنه أو ارتداد، سنمضي فيه بخطوات جديدة تؤكد احترامنا لاستقلال القضاء وأحكامه ومزيد من الحرية للمواطنين.

وأضاف انه سيتم اتخاذ خطوات جديدة لمحاصرة البطالة ورفع مستوى المعيشة وتطوير الخدمات والوقوف إلى جوار الفقراء ومحدودي الدخل.

وأشار مبارك أنه طلب من الحكومة أن تقدم استقالتها، موضحاً أنه سيشكل حكومة جديدة اعتباراً من اليوم، معتبراً أن ’السيادة للشعب وسوف أتمسك دائماً بحقه في ممارسة حرية الرأي والتعبير طالما تمت في إطار الشرعية والقانون’.

واعتبر في خطابه الذي لقي استهجاناً ورفضاً من قبل الشعب المصري، أن هناك خطاً رفيعاً يفصل بين الحرية والفوضى، ’وإنني أنحاز إلى حرية المواطنين ولكنه أعلن تمسكه في الوقت ذاته بالحفاظ على استقرار مصر وعدم الانزلاق بها إلى منزلقات خطيرة تهدد النظام العام ولا يعلم احد تداعياتها على حاضر المنطقة ومستقبلها’. وجاء رد فعل الشارع المصري على خطاب مبارك سريعاً، إذ انطلقت تظاهرات شعبية إلى ميدان التحرير في وسط القاهرة، هتف خلالها المحتجون بشعار ’يسقط يسقط حسني مبارك’، فيما خرجت تظاهرات مماثلة في بور سعيد، ما يؤشر إلى استمرار «جمعة الغضب» بعدما رفض الشعب المصري مقايضة دماء الشهداء بحكومة نظيف، فيما أفادت الأنباء الواردة من الاسكندرية أن المدينة اشتعلت من جديد.

وكانت أحداث جمعة الغضب بدأت بعد منتصف ليل أمس الأول، عندما استبقت السلطات المصرية تظاهرات الاحتجاج بالسعي إلى عزل مصر عن الخارج، عبر إصدار أوامر لمزوّدي خدمة الإنترنت وشركات الهاتف الخلوي الثلاث بوقف كل خدماتها.

واقتصرت وسائل الاتصال في داخل مصر، ومع الخارج، على الخطوط الأرضية، التي واجهت بدورها مشاكل كبيرة، وهو ما أثر بشكل كبير على عمل وسائل الإعلام، التي شكا العديد منها من مصاعب في تغطية الأحداث.

وتزامناً مع هذه الإجراءات، شنت السلطات المصرية حملة اعتقالات طالت عشرات المعارضين، بمن في ذلك قياديون في جماعة الإخوان المسلمين، التي تحدثت عن توقيف ستة من أعضاء مكتب الإرشاد، بينهم المتحدث باسم الجماعة عصام العريان.

ومع بزوغ صباح أمس، كان آلاف المصريين يستعدون للمشاركة في تظاهرات الغضب التي انطلقت من المساجد والكنائس والجامعات في القاهرة ومدن الاسكندرية ودمياط والمنيا ودمنهور والسويس والمنصورة والزقازيق وكفر الشيخ وكوم أمبو في محافظة أسوان، مرددين هتافات تطالب مبارك بالتنحي ومغادرة البلاد. وخرج عشرات آلاف المصريين إلى شوارع القاهرة، بعد انتهاء صلاة الجمعة، وسط تدابير أمنية مشددة اتخذتها قوات الأمن المركزي، التي لجأت إلى قمع المتظاهرين باستخدام الهراوات وخراطيم المياه وقنابل الغاز المسيّل للدموع والرصاص المطاطي، ما أدى إلى مقتل شخصين على الأقل وإصابة العشرات، ما أجج الغضب الشعبي، الذي دفع بالمتظاهرين إلى الرد على القمع بمهاجمة رجال الأمن وآلياتهم.

وشملت التظاهرات مختلف أحياء القاهرة، وكان أبرزها في ميدان التحرير وأحياء شبرا والمطرية والجيزة، التي سار فيها عشرات الآلاف على وقع هتافات ’الشعب يريد إسقاط النظام’.

وخلال أقل من ساعتين، بدا أن قوات الأمن قد فقدت السيطرة على الشارع، حيث تم إخلاء مراكز حساسة في وسط العاصمة، بما في ذلك ميدان التحرير، الذي تجاوره مراكز معظم المراكز الحكومية، ما زاد من حماسة المحتجين، الذين تزايدت أعدادهم بشكل كبير.

وامتد لهيب جمعة الغضب إلى معظم المدن المصرية، وخصوصاً في الاسكندرية، التي اندلعت فيها المواجهات بعد محاولة قوات الأمن قمع المتظاهرين، والسويس، التي شهدت أشرس المواجهات منذ اليوم الأول للانتفاضة بعد مقتل أربعة من أبنائها، مروراً بالمنصورة ودمياط، وصولاً إلى منطقة القبائل في سيناء شرقاً، ومدينة السلوم غرباً.

ومنذ ساعات ما بعد الظهر، بدا أن نظام مبارك قد دخل مرحلة الانهيار، إذ اقتصر رد الفعل الرسمي على تصريح لرئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشورى مصطفى الفقي، الذي دعا مبارك إلى التدخل لاحتواء الموقف، معتبراً أن الأمن وحده لا يستطيع مواجهة الثورة.

وبحلول أولى ساعات المساء، لجأ الرئيس المصري إلى استخدام الورقة الوحيدة المتبقية في يده، حيث أعلن التلفزيون المصري أن مبارك، بصفته الحاكم العسكري للبلاد بموجب قانون الطوارئ، قرر حظر التجول في القاهرة والاسكندرية والسويس، وكلف الجيش تنفيذه بالتعاون مع الشرطة.

وجاء في القرار الذي نشرته وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية أنه ’نظرا لما شهدته بعض المحافظات من أعمال الشغب والخروج على القانون، وما شهدته من أعمال النهب والتدمير والحرق والاعتداء على الممتلكات العــامة والخاصة، بما في ذلك بعض البنوك والفنادق، فقــد اصدر الــحاكم العسكري قراراً بحظر التجول بمحافظــات القاهرة الكبرى والاسكندرية والسويس من الساعة السادسة مساء حتى الساعة السابعة صباحاً اعتباراً من اليوم الجمعة، وإلى حين إشعار آخر’.

وأضافت الوكالة أن مبارك اصدر كذلك بصفـته الحاكم العسـكري قراراً بأن تقوم القوات المسلحة بالتعاون مع جهاز الشرطة بتنفــيذ هذا القرار للحفاظ على الأمن وتأمين المرافق العامة والممتلكات الخاصة.

لكن هذا القرار لم يهدئ من غضب الشارع، إذ استمرت التظاهرات الشعبية في معظم المدن المصرية، التي عمّتها الفوضى، إثر انسحاب قوات الأمن من مختلف المواقع الحساسة، ما دفع بالسلطات المصرية إلى إذاعة خبر بتوسيع حالة الطوارئ لتشمل كل محافظات البلاد، قبل أن تصدر بياناً آخر أشارت فيه إلى أن هذا الخبر أذيع خطأً.

لكن انتشار الجيش المصري لم يهدئ من غضب الشارع. وبالرغم من أجواء الترحيب التي قوبل بها الجنود المصريون، كانت البلاد تشهد حالاً من الفوضى، وخصوصاً في القاهرة، حيث خرج الآلاف لمهاجمة المراكز الحكومية والحزبية، بما في ذلك مباني وزارة الخارجية ومجلسا الشورى والشعب والتلفزيون الرسمي ومقر الحزب الحاكم والمتحف الوطــني، لكن إجراءات سريعة اتخذت من قبل الجـيش والحرس الجمهوري ولجان شعبية من المتــظاهرين لاحتواء الموقف.

وذكرت مصادر طبية أن أكثر من 20 شخصاً قتلوا في جمعة الغضب، بينهم 13 في السويس وخمسة في القاهرة، واثنان في المنصورة، فيما قدّر عدد المصابين بالمئات