الكاتب : جورج حاجوج

جولة الحوار المكثف "أو المفاوضات بتعبير أدق" التي يديرها نائب الرئيس المصري عمر سليمان مع بعض وجوه المعارضة بدأت تثير المخاوف والقلق من أن تتحول إلى محاولة لامتصاص النقمة لدى الشارع المصري الثائر، وبالتالي إجهاض كل هذه التحركات.. والمؤكد أن أصحاب هذه المخاوف محقّون في ذلك، على اعتبار أن مجريات الأحداث وعلى مدى أسبوعين أظهرت أن ثمة تراجع في طروحات قسم كبير من رموز المعارضة، وربما أن جماعة الأخوان المسلمين خير مثال هنا.

فبعد أن كانت كل أطياف المعارضة عبر رموزها تقول أن لا تراجع عن التظاهر والاحتجاج والاعتصام إلا بعد رحيل الرئيس حسني مبارك ودكّ معاقل النظام عن بكرة أبيها، ها هي اليوم تجلس على طاولة واحدة مع نائبه عمر سليمان وتتفاوض معه، مع علمها أن نائب الرئيس هو أحد أهم رموز النظام وأبرزها على مدى سنوات ليست بالقصيرة، فضلاً عن أن الرئيس مبارك نفسه ما يزال في موقعه على رأس هرم الدولة والنظام.

الواضح أن ثمة مسافة باتت تتسع وتفصل بين المعتصمين والمتظاهرين في ميدان التحرير وباقي المدن المصرية، وبين الجالسين بلباسهم الرسمي الأنيق وربطات أعناقهم على طاولة المفاوضات التي يحلو للبعض أن يسميها طاولة الحوار!.. أصحاب المخاوف أنفسهم باتوا يتوجسون من أن ما يحدث الآن على طاولة المفاوضات ليس أكثر من سعي حثيث لكل طرف من أطراف المعارضة لحجز مكان له في التركيبة السياسية القادمة، والحصول على أكبر حصة ممكنة من الكعكة التي يتم طبخها الآن!.

في الجهة الأخرى، فإن الأخبار التي تتناقلها شاشات التلفزة توضح أن الجيش يضيّق يوماً بعد يوم "زحف تدريجي ومن دون استخدام العنف" مساحات التظاهر والاعتصام في ميدان التحرير، وكأن المطلوب منه حصر وحشر المعتصمين والمتظاهرين في أضيق مساحة ممكنة، وهذا يعني تشرذم مئات الألوف هنا وهناك، وبالتالي القول إنهم بدؤوا ينسحبون تدريجياً من الساحات والشوارع على وقع الحوار الذي بدأ يحقق مطالبهم!.

القلق تجاه مصير هذه الثورة بات مشروعاً، خصوصاً مع بروز الاتجاهات لدى بعض رموز المعارضة بتحويل نبض الشباب المصري في الشارع إلى ورقة للمساومة والمقايضة، يمكن التلويح بها عند الحاجة، وحجبها وتغييبها عندما لا تستدعي الضرورة ذلك، وهذا يعني وبالتوصيف الدقيق أن هناك استغلالاً واحتيالاً وانتهازية واضحة لدماء الشباب الذين سقطوا على مذبح الحرية والكرامة والعيش الكريم.

بعض رموز المعارضة أنفسهم يتعاملون بحس متعالٍ وفوقي مع عفوية الثائرين الشباب في الميادين والساحات، بحيث يتم الغمز من قناة أن هؤلاء الشباب لا يملكون رؤية واضحة أو أجندة أو مشروع سياسي..

ربما قد يصح هذا، ولكن في المقابل فإن هؤلاء الشباب يعبّرون عن إرادة جمعية تتطلع إلى مستقبل أكثر إشراقاً وحرية، وهذا في التوصيف الدقيق أيضاً هو الشكل الأمثل والرافعة الأساسية لأي مشروع سياسي مقبل.

المسألة في مصر االيوم، ليست مسألة حوار بين معارضة وحكومة لتحقيق بعض المطالب أو المكاسب، لأنها لو كانت كذلك فهذا يعني أن مئات آلاف الشباب المصريين الذين أطلقوا صرختهم قبل أسبوعين يغردون خارج السرب، وهذا غير صحيح أبداً.. فالوقائع على الأرض تشير إلى أن من يسعى إلى تهميشهم هو من يغرد خارج السرب بكل تأكيد.

يشبّه البعض ثورة الشباب المصري القائمة اليوم بالمخاض الذي يسبق أية ولادة لا بد أن تنتج مولوداً وهذا طبيعي.. لكن ما هو غير طبيعي أن تطول هذه الولادة، وأن تكون الثمرة مولوداً مشوهاً أو مسخاً ولا يمكن مساوقته مع صرخات الشباب المصري، وهذا ما لا ينسجم ولا يتناسب مع طموحات المصريين عموماً.

قبل أيام قليلة، حدد المعتصمون في ميدان التحرير مطالبهم وأعلنوا أن لا تراجع قيد شعرة عن أي واحد منها.. في مقدمة هذه المطالب، حسب ما جاء في بيان وزعوه، رحيل الرئيس حسني مبارك والنظام بأكمله فوراً، ومحاسبة المسؤولين عن استشهاد المئات، وإنهاء حالة الطوارئ والإفراج عن جميع المعتقلين، وحل مجلسي الشعب واشورى والمجالس الشعبية المحلية، وضمان حرية تكوين الأحزاب السياسية..

نظرة سريعة على ما دار ويدور فوق طاولة حوار نائب الرئيس وبعض رموز المعارضة، تكفي للاستنتاج أن هذه الرموز تقف متراجعة خطوات كثيرة عن طموح الشباب المصري الثائر الوصيّ الشرعي والوحيد على هذه الانتفاضة الشعبية!!.