الكاتب : حسان عبه جي

الاهتمام الدولي بما يحدث بمصر يمكن ان يذهب باتجاهات مختلفة، وأهمها نوعية العلاقات الشرق أوسطية بعد ما حدث، ولكن المستوى الآخر الذي بدأ يظهر يرتبط بالمعرفة التي تتشكل عن العالم العربي في مرحلة "التحولات"، حيث ينتقل الاهتمام من التداعيات إلى التفاصيل التي تحكم المجتمعات العربية، وفي هذه النقطة بالذات تبدو مواد الرأي المنشورة بالصحف العالمية مساحة هامة يحاول البعض فيها استدراك "المواقف المسبقة" أو القراءات السريعة التي ظهرت سابقا حول "الإنسان" العربي وثقافته التي بدت في مرحلة معينه وكأنها مجموعة من الأسئلة الغامضة التي تقود في النهاية إلى اعتبار "آخر" غريب عن العالم المعاصر ومؤهل إلى الدخول في "الإرهاب".

هذه الصورة التي انتشرت مع موجة المحافظين الجدد لم تكن جديدة، لكنها بدت في تلك المرحلة أكثر جرأة في الإفصاح عن طريقة التفكير بالإنسان العربي مهما كانت انتماءاته، فهو "مشروع تطرف" منتظر، وهو في المقابل يقف على نقيض الحضارة الغربية، والسؤال الذي طرحه المفكرون الأمريكيون بعد الحادي عشر من أيلول: لماذا يكرهوننا؟ يبين موقفا قبل أن يصبح سؤالا لمعالجة مشكلة، فما الذي يحدث اليوم حتى يتم الحديث عن حالة بديلة؟ وهل الثورة المصرية قدمت "ديناميكية" قابلة للتفسير من قبل الغرب رغم خوفه من هذه الظاهرة؟ السؤال مطروح على المجتمعات العربية نفسها، لأن طريقة التعبير عن الذات يبدو أنها دخلت مرحلة طويلة أصبح فيها من الصعب خلق نوع من الانسجام ما بين "الثقة الداخلية" عند الأفراد بقدرتها على تجاوز ظروفها الصعبة والممكنات المتاحة أمامها، ومن جانب آخر "انعدام الثقة" بالحلول القديمة التي مثلتها الثورات السابقة و "حركات التحرر" التي ظهرت، وهو أمر أدى في النهاية إلى نوع من "السكون" أو انعدام الإبداع لإيجاد مخرج حقيقي من أزمة التعبير الذات.

لكن الظرف الخارجي للمجتمعات العربية لم يكن أيضا محايدا تجاه هذه "السكونية"، فهو مارس ضدها أشكالا من تغييب أو عدم الاعتراف بها أو حتى اضطهادها، وكانت ذروة هذا الأمر في العقدين الأخيرين، فظهر تجاهل كامل لأي ممكنات يمكن أن تقدمها تلك المجتمعات، وظهر تركيز واضح على نتائج محددة مثل ظهور تنظيم القاعدة، فتم سحب هذه النتائج على مجمل حركة المواطن العربي، لذلك فإن "الأنظمة" السياسية القادرة على ضبط هذه "الميول المتطرفة" ازدهرت بشكل واضح في تلك المرحلة.

ما يحدث في مصر لا يمثل تحولا لا يملك إرثا في مسألة التعبير عن الذات، فالانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية رغم أنها لم تلق حماس الغرب لكنها بدأت في تكسير الحالة النمطية، ورغم أن السياسة وضعتها ضمن "النمط" الخاص في الإرهاب إلا أنها شقت طريقها ربما لأنها كانت قادرة على البقاء والاستمرار في مقابل استمرار التجاهل الدولي لما يحدث، وفي حرب غزة حدثت طفرة واضحة في التعامل مع "إسرائيل" وذلك ليس بفعل الوحشية فقط بل لحجم التراكم منذ الانتفاضة الأولى.

في مصر اليوم تبدو ديناميكة التعبير عن الذات واضحة وأكثر انتشارا لأنها تنطلق بحيوية مختلفة، وبمعادلة لا تحمل معها التناقض القديم الذي يريد تقديم نفسه من خلال الانسجام مع رؤية الآخر له كفرد يعيش في مساحة "راكدة" وغير قادرة على إنشاء ثقافة تملك استقلالها النفسي، فالدرس المصري بتداعياته يقدم صورة أخرى علينا نحن فهمها قبل أن ننظر لمستقبل السياسة في المنطقة ككل.