الكاتب : نضال الخضري

كانت تحفة فنية أستيقظ في يوم محدد كي أخرجها من مخابئ ذاكرتي فتحمل لي نوعا من السعادة والتفاؤل، وتدفعني لاسترجاع أيام طويلة قضيتها في البحث أو التنقل عبر تاريخ واحد وربما شخص واحد أيضا، فالمسألة بالنسبة لي كانت روحا مختلفة أتفحص بها كل ما حولي وتضعني في دائرة الأسئلة الدائمة كي يبقى عقلي قادرا على التفكير.

هي تحفة حقيقية وليست مجرد تاريخ... أو هكذا كنت أقنع نفس لأنني أحاول ان أجد نموذجا قادرا على جعل الحياة من حولي متجددة، لكنني أملك اليوم الكثير كي أضم تحفا أو "تواريخ" جديدة ليس بغرض التنافس بل لأننا بالفعل نحمل معنا قدرة في خلق أيام تدخل مع تتابع الزمن في مساحة مختلفة عما كنا نريد لها أن تكون... فهل يحمل الأول من آذار نفس الصورة التي كنت أملكها قبل عام فقط؟

السؤال ينقلني إلى كم الكلام الذي استخدمته من أجل هذه المناسبة المرتبطة بفكر وحزب وكتابات تحمل رمزية بالنسبة لي، وإذا كان الفكر يبقى ولو "تراثا" إنسانيا بغض النظر عن قبول البعض به أو رفضهم له، لكن حضوره هو الذي يقلقني في زمن حملنا عبر شهر لمشاهدات لم نكن نتوقعها، والأهم أنه صور لنا وجوها لم تتعب نفسها بمجلدات فكرية ولا بالتنقل من "المغترب القسري" إلى ساحة الشهادة، فهي كانت تحمل معها حساسية لمجتمعها، تماما كما حملها أنطون سعاده عندما بدأ بسؤاله الأول: ما الذي جلب على شعبي هذا الويل؟ أواجه اليوم اختراقا لمساحتي الفكرية من قبل قلق دائم، ورغبة في أن أحمل التاريخ القديم دون أن يرهقني، ولكن من الصعب أن نتمثل تلك الحساسية دون أن يغطي التعب وجوهنا، ويجعلنا في واقع يتحرك فنساعده او نصده او نحاول أن نجد أسئلة جديدة، أو حتى لغة مختلفة وملائمة لزمن تجاوز كل المناسبات لكنه بقي مشحونا بتلك الرهافة التي تجعل الإنسان عصي عن التحول إلى حالة من الجمود.

لم يكن القلق يوما بعيدا عني، لكنني أشعر بهذا الفارق الزمني الذي يجعل لحظات التأسيس بعيدة بنفس القدر الذي جعل حياتنا غير قادرة على الإبداع، ووضعها في نقطة النص الأولي، والآلية التي تشتت فلم تخلق معها سوى مجموعة من الخيبات، ولكن ألا يكفيني القلق كي أعرف أنني مازلت أعيش نفس الحساسية؟

لن أبحث عن "التحفة" بعد اليوم لأنها لم تعد في ذاكرتي فهي انتقلت نحو زمن نقتحمه شئنا أم أبينا، وهو زمن يحمل معه احتمالات التفكير الدائم، وربما الحرص على وطن بقي يسكن في العقل فيجعلنا نعيد رسمه في كل لحظة وندفعه باتجاه الشمس... فهو وطن الأول من آذار كما نريده وليس كما ظهر قبل مائة عام، يومها كان مشرقا على طريقة الزمن السابق، وأنا أريده بهيا في هذا الزمن الجديد.