الكاتب : مازن بلال

الاحتجاجات في لبنان ضد النظام الطائفي تصب في النهاية داخل دائرة الثورة الليبية.. لماذا؟ لأن الأمر أكبر من مسألة "التداعيات" والثورات ليست عدوى بل وعي عام يتبلور مع تداعي "التشكيل الرسمي" الذي يفرض نفسه عنوة على المجتمعات، فما حدث في ليبيا وقبلها في تونس ومصر، وأشكال التحدي في اليمن والبحرين والأردن توضح على الأقل أن المجتمعات العربية ودون استثناء تجاوزت مؤسسة النظام العربي الرسمي الذي يفرض حلوله، وأحيانا يبني جدران وهم أمام الأزمات ولينان هي المثال الأكثر وضوحا.

في الخطاب السياسي القديم تبدو لبنان دائرة محاصرة بالتوازن الإقليمي، ويتمتع السياسيون فيها بحرية الحديث حول ان المشاكل العربية يتم حلها على أرض لبنان، فالقرار هو بيد النظام العربي الذي سمح بالتواجد الفلسطيني المسلح فيها بعد عام 1969 بموجب اتفاق القاهرة، وهو نفس النظام الذي قام بالتعامل معها على أساس الطوائف وأسس لجان وقوات وحتى اتفاقات كانت بمجملها خارج أرض لبنان، ومظاهرات أمس بدت خارج هذا النسق الذي يستمد شرعيته من الاقتسام الطائفي الذي فتح البلاد على احتمالات بدأت إقليمية لكنها في عمقها حملت توافقا دوليا هو في النهاية خارج إرادة اللبنانيين.

ماذا يعني أن يتحرك الشباب في لبنان ضد النظام الطائفي؟ ربما لم تعرف الأجيال الشابة في العالم العربي نوعية الاحتكام للسلام في ظل الطوائف في ظل الحرب اللبنانية، وانهيار الأحزاب العلمانية نتيجة عدم قدرتها على التحرك في ظل هيمنة تستفيد أولا وأخيرا من "الانقسام" الذي ظهر خلال بداية الأزمة... التواجد الفلسطيني المسلح زرع المخاوف بشكل سريع من "تحول طائفي"، ورغم جهود الحركة الوطنية اللبنانية التي تعاطفت مع هذا الوجود لكنها لم تستطع الوقوف بوجه حراك كان يتبلور باتجاه حرب أهلية، وفي تلك المرحلة تم امتصاص الشباب لخوض معارك لم تغير من معادلة "السياسة - الطائفة"، وعلى ما يبدو فإن تجارب الحروب لا تكسب خبرات بقدر ما تقدمه المعارك "المدنية" إن صح التعبير، فقسوة الحرب لم تقنع الكثيرين بكسر نظام الطوائف رغم أن "اتفاق الطائف" نص على الخروج من هذا النظام.

شباب لبنان اليوم يعملون دون وجود غطاء خاص بالنظام السياسي العربي المشغول بما يحدث داخله من تحولات، وهم متحررون من "خوف" التدخل عبر التجمعين السياسيين الأساسيين في لبنان، مع استرجاع كل خطوط التدخل ابتداء بـ"المحكمة الدولية" و "انتهاء" بالعجز عن تشكيل حكومة توافق بين "الطوائف"، فالصورة التي يقدمها الشباب اليوم تدعم ليبيا باتجاهين:

الأول تأكيد طبيعة البيئة التي تتكون في المنطقة بأنها تحول داخلي تنتج وعيا عاما، فالحماية الأساسية لها هي في طبيعة امتدادها وتلمس مناطق التغيير المطلوبة، فإسقاط النظام ليس شعارا مطلقا، فهو يتخذ وضعا مختلفا في كل بلد بما يتوافق مع استكمال هذه البيئة.

الثاني تكريس النظرة الجديدة للمنطقة على أنها تملك الحيوية كي تنجز ما تريد بقدرتها الذاتية، حتى لو بدى الأمر قاسيا جدا كما في ليبيا، أو هادئا ومرنا كما في لبنان، لأن هذه الصورة هو النافذة نحو المستقبل.

ما يحدث في لبنان اليوم لا يقدم دعما معنويا لليبيا بل ماديا عن استكمال مساحة البيئة التي يحمل التحول، فهناك غنتاج جديد لقوى اجتماعية تبلور ذاتها وتصنع تصورا مختلفا للمستقبل.