الكاتب : سها مصطفى

لن نبحث كثيرا في حدود مملكة الاعلام الرسمي في الداخل السوري في عصر الفضائيات العربية، لكن تلك المملكة يرتد المواطنون لها في ساعات الشدة بحثا عن المعلومة، ارتداد تلقفته بسرعة فضائية الدنيا واذاعة شام اف ام عبر بثها الفضائي، في الوقت الذي تنحى الاعلام السوري عن دوره، فلم يسارع لإعلان الف باء الحدث الذي شهدته درعا، ولم يتمكن التلفزيون من فكفكة الحملة الاعلامية التي شنتها محطاة الفرنسية 24 والبي بي سي والعربية على سوريا...

بدورها فضائية الدنيا فتحت خطوطها وشريطها الاخباري وصفحتها على الفيس بوك لاستقبال مختلف الاتصالات والتواصل مع الناس، وتحركت بسرعة نحو تدقيق مايبثه الاعلام العربي من تقارير، وفضحت دجل شهود الزور’شهود العيان’ تلك اللفظة الساذجة العامة التي حقنت بها البي بي سي والعربية والحوار تقاريرها بها، كهرمونات تضخم المعلومات الغثة التي تبثها بحثا عن شيء من المصداقية، الأخيرة التي باتت مجرد ماركة تسوق على حساب دماء السوريين وتحت ذريعة الحرية والرأي والرأي الآخر!

وفي الوقت الذي كانت فيه فضائية الدنيا تلاحق مراسلي العربية وفرنسا 24 في تغطيتهم المباشرة من خارج درعا لـ’للمفارقة لاحداث درعا’ أثناء شرائهم لكيلو من الموز، خرجت شام اف ام ببثها الفضائي عن قاعدة الهشك بشك التي ارستها بعض الاذاعات العامة والخاصة بصمتها، وتحولت الى مرصد يطمئن السوريين عبر الشريط الاخباري عن مختلف ما يدور في المحافظات السورية، وكأنها غرفة عمليات وتشبيك بين مختلف أحياء اللاذقية وباقي المحافظات السورية لملاحقة العناصر التخريبية وابقاء الناس على اطلاع بمختلف تحركات اللجان الشعبية وتعاونهم مع القوى الأمنية.

فيما حافظ الاعلام الرسمي على لغته الخشبية، ما يجعل هذه المنظومة بحكم المنتهية في ظل بحث الناس عن مصادر اعلامية مستقلة تقدم المعلومة تحلل الحدث وتفند أبعاده، ويسقط وهم الحرية والديمقراطية عن ’ثورة’ الاعلام التفاعلي، كما اسقطت عن الفضائيات العربية التي فقدت مصداقيتها وثوراتها الملمعة المعدة للبيع معممة بنسخة واحدة على مختلف الشعوب العربية بصناعة أمريكية وترويج أوروبي وادوات عربية تقوم على قاعدة ’اهلية بمحلية’، فالولايات المتحدة بالنتيجة لم تدفع لسوريا 25 مليون دولار لسواد عيوننا ومن أجل ابتساماتنا الوديعة وعدد الـ’لايكات’ التي نقوم بها على الفيس بوك!

الاحداث الأخيرة اسقطت مصداقية مواقع التفاعل الاجتماعي التي باتت مرصدا اعلاميا ومصدرا للمعلومات اعتمدته برعونة الفضائيات العربية، واعادت فورة الفيس بوك واليوتيوب بعد مادعي بـ’ثورتي’ تونس ومصر لحجمها الطبيعي وتعريفها الرئيس: كمواقع تفاعل اجتماعي فقط، وليس مصادر معلومات موثوقة عبر فيديو سريع غادر يطعن المظاهرات في ظهرها وفقا لفضائية الدنيا.

أما مفاتيح الحملة الاعلامية الرخيصة ضد سوريا فباتت مكشوفة، قوامها التركيز على رموز تمثل أقانيم محرمة في الذهنية الرسمية والشارع العربي، مستهدفة التماثيل والصور والتركيز على التخريب الذي تتعرض له على أنه رمز للحرية، فيما هو فعليا رمزا للفوضى ’الخلاقة’، والتجييش على صور الدم والقتلى في تغطيتها لاحداث درعا دون ذكر مصدر الصور، فهل تعود لضحايا نيرون ليبيا، أم هي صور أحداث جبل محسن وباب التبانة في لبنان عام 2008 كما في تقارير فضائية الحوار...والعربية؟؟

ولا نسقط في ذلك دور السوريين في مواجهة اتلك لفضائيات ومحاصرتها باتصالاتهم ومداخلاتهم، الاسئلة التي وجهها السوريون لتلك الفضائيات شكلت اعلاما مضادا يسد ثغرات الاعلام الرسمي، كما في اتصال الاب سمعان نصري مع البي بي سي التي اعتمدت شهود الزور وليس شهود العيان، فالادعاء باستهداف الأمن السوري للمدنيين يسقطه عدم تعرض من هاجموا مثلا تمثال الرئيس لاطلاق النار، تلك اللعبة القذرة التي ركزت على تكرار المشهد الأخير التخريبي عبر الفضائيات على أنه دليل ملامح الحرية، في مقاربة رخيصة تعتمد على المقارنة غير المباشرة مع اسقاط تمثال صدام حسين مع الاحتلال الامريكي للعراق مع الفرق الشكلي بين الحالتين.. إلا انه ثبت أن محركهما واحد بالنتيجة.

الاخطاء الأخرى التي ارتكبها الاعلام الرسمي تمثلت بعدم الاعتراف بالمشكلة في بدايتها، والاستمرار ببث المسلسلات والاغاني عبر الفضائية السورية واذاعة دمشق وصوت الشباب وكأن شيئا لم يكن، سياسة قد يكون دافعها محاولة ضبط الشارع السوري وعدم دفعه للخوف والتهويل، إلا أنها تأخرت عن احتواء مخاوف الشارع الذي كان ينتظر من يطمئنه من مصدر مستقل سيحفر حكما مصداقيته في أذهان السوريين بطريقة أفضل مما ننتظره من الاعلام الرسمي وشخصياته ومصادره، وخلالها كان الافضل الاعتماد على شخصيات مستقلة وتقديم وجوه جديدة تصنع الحدث وتعلق عليه وتوجهه كما فعلت الدنيا في لقائها مع شخصيات ناشطة فاعلة في المجتمع السوري مثل مجد نيازي الطباع والدكتور عصام التكروري وسعد الحسيني.

ماذا بعد؟؟

لعبت تلك الفضائيات على وتر التجييش بعرض مشاهد الدم، الاعلام الرسمي فشل في مقابلة الحالة الأخيرة، رغم أن مدينة اللاذقية وحدها اعتادت أن تشهد شوارعها خلال الفترة الاخيرة عدة جنازات في اليوم الواحد لشبان ورجال أمن وشرطة سقطوا برصاص المخربين، عدا عن تعرض العمال السوريين للضرب من قبل عناصر تيار المستقبل في مظاهرتهم أمام السفارة السورية، تغطية تناولها بفاعلية ’للمفارقة’ تلفزيون المنار وليس التلفزيون السوري.

ايضا الاعلام الرسمي بدا مستسلما للحملة الدعائية التي كانت الاورينت والعربية والحرة والبي بي سي وفرانس 24 والحوار متراسا لها ورأس حربتها، فالدنيا وليس الاخبارية السورية من كشفت فبركة فيديوهات اليوتيوب للفتاة التي تتصنع تعرضها للضرب من شخص ينتحل صفة عنصر أمن، وكشفت الدنيا عن كون مفبركي الفيديو الأخير هم من قاموا بتمثيلية مظاهرة الحريقة، وايضا وايضا الدنيا من لاحقت محمد رضوان المدون المصري صاحب الجنسية الامريكية الذي ضبط بين المخربين وربطت بين توفره في ثورة مصر وأحداث سوريا.

بالنتيجة ومن خلال ما سبق ومع نهاية المؤامرة، الاعلام السوري أمام محك جديد بتعاطيه مع قضايا الشارع وهموم الناس، أما تلك الثورات بجيوشها ومتاريسها وادواتها من الفيس بوك وتويتر وغيره، بدت كشفرة معدة للاستخدام لمرة واحدة فسقطت عنها ورقة التوت، وأثبتت أنها مرة أخرى تسير نظرية وفق وهم الديمقراطية تماما كما فعلت الفضائيات قبلها، عندما قدمت في التسعينات وهم الحرية وبدت على انها فتحا في العالم العربي، اليوم الاعلام التفاعلي خاض التجربة ذاتها وسقط، والمرحلة القادمة مرحلة صناعة اعلام سوري و وجوه سورية جديدة ودم جديد في الاعلام السوري، بدل الاعتماد دوما على أنيس النقاش ورفيق نصر الله وغالب قنديل... الأخيرين الذين لطالما شكلوا حملة اعلامية مضادة مدافعة عن سوريا أكثر مما دافع بعض الاعلام السوري عن قضايا الوطن، المرحلة القادمة لاعلام وطني يطرح مشاكل الشارع السوري ويناقشها بجرأة، فالتجربة والممارسة هي التي تصنع إعلاما وليس الخوف!