دمشق - مازن بلال

مع الإعلان عن بدأ المشاورات التي يجريها رئيس الحكومة المكلف الدكتور عادل سفر، باشرت بعض المصادر الإعلامية بالحديث عن تسريبات، حيث تم تناقل مجموعة من الأسماء الموجودة أساسا في حكومة تصريف الأعمال، بينما طُرحت وجوها جديدة ضمن قائمة "الاحتمالات" بعضها من خارج الصف الحكومي الاعتيادي، فيما لم يتناول أي مصدر مصير الوزارات السيادية.

ونقلت صحيفة الوطن أن رئيس الوزراء المكلف استقبل عددا من أعضاء الجبهة الوطنية التقدمية وبعض الحقوقيين وأن البحث تناول البرنامج الحكومي وليس الأسماء المقترحة للوزارات، والملاحظ أن الحركة السياسية كما ظهرت في الإعلام على الأقل استمرت في التطرق إلى عمل اللجان والحديث عن قانون للأحزاب يشبه "القانون المصري" ولكن دون ذكر تفاصيل، متوقعة أيضا ظهور قانون إعلام مختلف وعصري. والملاحظ تجنب الإعلام السوري او المصادر المطلعة الحديث عن تفاصيل التعامل الحكومي مع التعديلات المقترحة التي ستضعها اللجان المشكلة، أو حتى تلك التي تٌعد لقانون الأحزاب على سبيل المثال، فهناك مساحة رمادية حتى اللحظة ما بين القوانين المقترحة والبيئة القانونية أو حتى التنفيذية لما هو متاح حاليا، فالانتقال على مساحة الحدث اليوم مازال يحمل معه الكثير من إشارات الاستفهام حول الانسجام المفترض ظهوره في المرحلة ما بين البرامج التنفيذية للحكومة التي ستنفذ الإصلاحات وما بين "الصلاحيات" التي تمنها من التعامل مع هذه المستجدات.

وتبقى التوقعات في إطار حالة الترقب التي تعيشها سورية، وربما في دائرة البحث عن الحلول السريعة التي يمكن أن تمتص نتائج الأزمة التي عاشتها سورية خلال الأيام الماضية، وفي المقابل فإن الأسئلة المطروحة تتجه أحيانا لطبيعة "الجهة" المسؤولة عن تنفيذ برامج الإصلاح، وهو ما يدفع إلى الاهتمام بمسألة تشكيل الوزارة التي شكلت على الأقل في سورية "تعبيرا" عن التحول في التوجهات، فهذا ما حصل في الثمانينات عندما تم تشكيل حكومة رئاسة عبد الرؤوف الكسم، وبنفس الطريقة فإن "حكومة الزعبي" عبرت أيضا عن تحول بنفس الاتجاه، وعلينا تذكر أن حكومة مصطفى ميرو "حُملت" مسؤولية المرحلة الجديدة، وانتهاء بحكومة محمد ناجي العطري التي جاءت في "المرحلة الصعبة" في فترة احتلال العراق.

لكن تحميل الحكومات تلك المسؤوليات تم طرحه بقوة منذ عام 2001، وظهر في تلك المرحلة بحث جدي في قضية مهام رئاسة الوزراء، وعمليا فنحن اليوم امام نقطتين:

-  الأولى أن الممارسة التقنية للوزراء غالبا ما تبتعد عن مسألة التعامل مع المسائل السياسية، وعلينا التذكر أن كافة الصلاحيات الممنوحة وفق الدستور كانت تأخذ بعين الاعتبار أن البلاد كانت في حالة الطوارئ، فهل هذا الأمر أثر على مسار المهام سواء ما نص عليها الدستور أو من خلال الممارسة اليومية التي تحمل أحيانا استنسابا واجتهادات؟

بالتأكيد فإن تركيب الدولة يملك تراتبية وارتباطا واضحا ما بين الهيكلية السياسية ومهام السلطة التنفيذية، لذلك فإن الحديث عن حكومة تكنوقراط يبقى أقرب لمسؤوليات الوزراء، ولكن في نفس الوقت فإن المشاركين في الوزارة يضمون طيفا من الجبهة الوطنية التقدمية، بما يوحي بأن الأدوار السياسية ربما تكون مطلوبة، فبالمعنى على الأقل يعتبر مشاركة أحزاب أخرى هو لممارسة سياسية وليس لـ"المحاصصة". وبإمكاننا ملاحظة أن مشاورة رئيس الوزارة لأعضاء من الجبهة هي في النهاية لمناقشة "برنامج" الحكومة، ولكن كل من له احتكاك مع احزاب الجبهة يعرف أن الصراع يحتدم داخلها خلال التشكيل على مسألة الترشيحات، ومن تأتي أهمية التسريبات التي تقدمها بعض وسائل الإعلام لأنها تحاول الدخول إلى "التعيينات" كمعركة وليس كبرنامج مرتبط بإستراتيجية يجب تنفيذها.

-  الثاني يبدو في إعادة الإنتاج الحكومي من دائرة "السوية السياسية" نفسها، فعندما نتحدث عن "الفساد" فنحن ندخل في بنية وليس في منظومة دولة أو مجرد قوانين، فالوزارة بأشكالها السابقة والحالية تضم الطيف السياسي الخاص بالجبهة إضافة لتقنيين واختصاصيين غالبا ما يمثلون القطاعات الاقتصادية، وهو ما يطرح سؤال عن إمكانية الخروج من هذه البنية الكلاسيكية باتجاه النطاق الأوسع، فآلية تشكيل الوزارة ربما لا ترتبط بنزاهة الأشخاص أو قدرتهم على الإبداع، بل أيضا بمحاولة إيجاد بنية مختلفة وربما آليات رسم البرنامج دون فقط الاعتماد على خارطة قوى سياسية مرسومة سلفا، وربما لا يرتبط هذا الموضوع فقط بإدخال أحزاب سياسية جديدة، إنما بإتاحة العمل مع "الطيف غير السياسي" الذي ابتعد اختيارا أو قسرا.

الوزارة القادمة ستحمل معها برنامج الإصلاح المرتبط بمسائل سياسية جوهرية وعلى الأخص "إلغاء حالة الطوارئ"، وما سينجم عنها من قدرة على توسيع هامش التحرك، وربما وبعد تشكيل قانون الأحزاب فإن الأمر سيبدو معقدا أكثر، فالوزارة الحالية من المفترض على الأقل وفق الصورة التي يتم تقديمها أنها ستواجه احتمالات "التحولات الدستورية" التي سيفرضها نتائج عمل اللجان المشكلة حاليا، في وقت لا تملك وفق طريقة تشكيلها الحالية إمكانية توسيع هامشها.