الكاتب : أنور بيجو

فجأة يخيفك ما يفترض أن يطمئنك ..... لأول مرة في سوريا أسمع عبارة( العيش المشترك ) قلت في نفسي : قيلت وعبرت ، في نفس اليوم أعيدت وأعيدت ، يا ناس ... هذه العبارة تخيفني ، وقد نخرت وما زالت ، حين أسمع الأخبار عن لبنان ، نخرت : لفظاً ومعنىً ، دهاليز أذنيّ ودماغي ، نفسي وعقلي .

وها هي العبارة وصلت إلى سوريا الشام ، حطت رحالها على لسان المواطن العفوي ، لكن أيضاً على لسان المفكر و( المثقف ) ، ، وعلى لسان المسؤول وغير المسؤول ، الفنان والأستاذ الجامعي ...... وكل ذلك في وسائل الإعلام ، صحفاً ومحطات فضائية وغيرها .....

حين وصلت العبارة إلينا ، ووالله ما شعرت بالغربة يوماً في وطني ، مع كل الأسباب الموجبة لها ... حين وصلت العبارة : شعرت بألم الغربة وكآبة ووحشة ليس لهما مثيل ... ركضت إلى هاتفي المحمول ، أرسل رسائل الرجاء : ( لا تقولوا العيش المشترك ، لا تقولوا هذه العبارة حتى لو كانت النوايا سليمة .. قولوا الحياة الواحدة .. وتمسكوا بهذه الحياة الواحدة .. ) .

لست فقيهاً في اللغة العربية التي أعشقها ، وربما لا أريد أن أكون ، أحب في اللغة أن أشعرها تنساب إلى روحي ، تتمهل عند كل منعطف حزين فيها : موسيقا ... وعند كل طريق فسيح فيها : قناطر عملاقة ، وعند كل تحد تواجهه : ابتسامة أم مطمئنة ..... أما حين أسمع عبارة ( عيش مشترك ) أشعر أن لا شيئ يجعلني مطمئناً ، بل أشعر أن روحي ، هي في الأساس ، ليست لي ، بل فيها عقد آجار ، أشعر أني مستأجر روحي وأحد ما يهددني بالإخلاء ، هي عبارة تؤكد وجود اثنين أو أكثر ، ومن هما أو هم حتى تميزا أو تميزوا ، من ذلك المستعجل فحكى عن الفسيفساء والموزاييك ؟؟ من قال أننا قطع مختلفة الأشكال والألوان تجانبت بعضها بعضاً برباط أو اتفاق أو عقد اجتماعي ( روسوي ) ، ومن قال أننا لوكنا كذلك ، نريد أن نبقى على هذا الشكل .... نحن لا يجمعنا المكان قطعاً متجاورة من أجل العيش ، نحن تجمعنا إرادة الحياة ، نموذجاً إنسانياً حضارياً واحداً خلاقاً ، أليس في إيماننا من العائشين أموات ومن الأموات عندنا أحياء ؟؟ فهل تريدون رابط العيش أم رابط الحياة ؟؟

قلبهم كاد أن يقع ، بل كاد أن يتوقف ، أولئك السوريون ، غير المجنسين منهم ، بل حتى المجنسون ، الذين ( يعيشون ) في بلاد الاغتراب ، يعملون وينامون ، يأكلون ويشربون يفرحون ويحزنون ......لكن تهتكت أرواحهم مع أول خبر عن سورياهم ، توقفوا عن النوم ، لم تعد لقمتهم سائغة ..... ظلوا ( عائشين ) لكنّ ( حياتهم ) كادت تستحيل .... فسورياهم في خطر ، لا الكلمات تطمئنهم ، ولا حلف الأيامين ... يتوسلون أن احرصوا على سوريانا ، أعيدوها لنا كما كانت ....

أناشدكم بقلب بريئ : أيها المسؤولون - كباراً وصغاراً - كونوا مواطنين ، أناشدكم بقلب يحترق : أيها المواطنون - كباراً وصغاراً - كونوا مسؤولين .... من أجل سوريا ، من أجل شهدائها ، من أجل أطفالها وأمهاتها ، من أجل الموسيقا في حنايا اسمها ، أناشدكم : صبراً صبراً لا انتظار ، فالصبر هو العقل ، والانتظار هو الاستسلام للمجهول ، لكن قطعاً لا تخبئ هذه الأيام سوى المجهول السيئ ، فمن لديه كلمة حق تهدئ العاصفة فليقلها دون إبطاء ، ومن لديه كلمة حق تزيد العاصفة هياجاً فليصمت عنها وليقبل أن يكون - من أجل سلامة سوريا - شيطان أخرس لو إلى حين ، فوالله سلامة سوريا هي الحق ، وكل ماعدا ذلك باطل ، ووالله كل الحافظين سلامة سوريا في النهاية هم ملائكة ، وكل الهاتكين جسدها الطاهرفي النهاية ذاتها ، شياطين .

سوريا ليست مكاناً للعيش ، هي جغرافيا الحياة ... لا تدرك ( غلاوتها ) حتى يمسها سوء ، تكتشف أن دمعاً غصباً عنك يغزو عينيك ، تشعر أن روحك بدأت تتأرجح ، تتأوه ، وتبدأ روحك بالرحيل .... لكن إلى أين ؟؟... وإذا كان هذا ما يصيبك وأنت على أرضها ، فماذا يفعل السوريون التاركين الرحيل يأخذ أجسادهم عن سوريا ... بل ماذا نفعل نحن بأرواحهم وأرواحنا إن أخطأنا بحق سورياهم / سوريانا .......