الكاتب : أنور بيجو

ابني الصغير ، عمره عشرون عاماً ، دخل إلى مكتبي ، وكانت الساعة تقارب الثانية بعد منتصف الليل ، أي قبل فجر اليوم التالي ليوم الجلاء ، وكنت قد اقتربت من نهاية ما أكتب ، لكني أردت أن أضع في مقدمة كتابتي هذه ، ما جرى بيني وبين ابني الشاب الصغير . وسأحاول قدر المستطاع أن اخفي أو أخفف العواطف مما جرى ....

بعد أن نظر إلي لثوان بكى بقوة ، أجهش ، قلت بسرعة : ( لأ ) قال : ( خربت بحمص وبتل بيسه .... نزل الجيش .... ) قلت مهدئاً ( كل شيء مزعج لكن ما باليد حيلة ...) أجهش أكثر قال ( مالذي يريدونه من بلادنا ... هل هذه سوريا التي تحكي لي عنها ... عن ستة آلاف سنة قبل المسيح ؟؟... من يكرهنا هذا الكره ؟؟ راحت سوريا راحت ... الذي يطالب بالحرية أجبرني بالقوة أن ( أسقّط ) النظام ... هددني ولم يترك لي حرية ....... [ كان قد تعرض منذ أيام لحادثة وهو وصديقين معه وهو في طريق السفر عائداً من جامعته ] .. كي أخرجه من ثورته العاطفية ، قررت أن أقرأ له ما كنت قد كتبت قبل دخوله ، وهو ما ستقرؤونه بعد خروجه ... حين انتهيت من القراءة زاد انفعالاً وقال : ( أول يوم ذهبت فيه إلى الجامعة ، في الليل ، طرق أحدهم باب غرفتي وقال : [ ناقصنا راكب شدة ( ورق ) ] ... ذهبت وكان يسكن في الغرفة المجاورة لغرفتي شابان ، واحد علوي وواحد سني يسكنان معاً ، وأنا مسيحي أسكن الغرفة المجاورة .... عشنا سنتين ... أدخل غرفتهم آخذ ( المرتديلا ) وما أشاء دون أن أستأذنهم ، ويدخلون غرفتي ويأخذون ما يشاؤون دون أن يستأذنوا مني ..... اليوم أرسلا لي : السنّي والعلويّ معايدة بمناسبة الشعنينة ..... [ انفجر بالبكاء ] ...... لا تشرح لي لا أريد أن أسمع .... راحت سوريا ... راحت سوريا ......... [ خرج ] تركني وحيداً .....

سمعت كل سوريا تبكي .

أما ما كنت قد كتبت قبل دخول ابني :

سألت نفسي : يانفسُ ... إن لم تكوني شجاعة اليوم ، فمتى ستكونين ؟ ومع أنني علماني .... قلت يارب ... يارب كل الأديان والطوائف والمذاهب : اجعلني مخطئاً ، واعفني من شجاعة لا أراني أهلاً لها ، بل لست بحاجة لها .... لكنه هذا الحب المجنون العاقل ، الحب العاقل المجنون ، هذا الحب لهذه الـ ( سوريا ) .

المواطن السوري المهتم باستقرار سوريا ، يتعبه جداً تأرجحه الدائم بين التفاؤل والإحباط ، فما يكاد يصل إلى يقين من أمر ما ، حتى يزعزع له هذا اليقين ، ( خبرية ) ينقلها صديق ، أو حدث تنقله محطة فضائية ، فإذا عاد إلى إحدى الفضائيات السورية ، عاد له بعض الارتياح وبعض اليقين ، وهكذا يقضي يومه متأرجحاً ، حتى يصبح التعب إنهاكاً ، وعندها ربما يلجأ إلى مباراة في الرياضة ، ويترك الآخرين يجرون وراء الكرة ، ليرتاح هو .

و( المندسّ ) مصيره حتميٌ ومعروف ، فلا مكان له في سوريا مهما كانت الأحوال والظروف ، ومهما قتل أو خرّب أو أحرق ، فلن يهزّ مفصلاً في دولة مثل سوريا ، هو أسهل العابثين ، ولا يحتاج لا إلى جيش ولا حتى إلى رجال أمن ، هو شيء ينفره الجسم السوري العريق بالفطرة .

والمواطن صاحب المطالب المحقة ، يحلم بنفسه مواطناً راقياً حضارياً ، لا يخدش سيارة في الطريق ، ولا يرمي حجراً على محل تجاري ، وإذا ضربه شرطي ، يتجنب الرد عليه ، وإذا أساء لسبب ما ، اعتذر ، وإذا ترك نفاية ما ، نظف ..... هو يقول في نفسه : سنثبت أن الشاب السوري ليس أقل رقياً وحضارة من الشاب المصري ؟

وإذا كان الموضوع موضوع إساءة محافظ أو مسؤول أمني ، أفلم تجر المعالجة كما أعلن ، أولم يصرح الخارجون من المقابلات ، وعلى أعلى المستويات ، بكل حسن .

فما الذي ما زال يجري ؟؟ أحاول أن أفسّر وآمل صادقاً أن أكون مخطئاً .

أعتقد أن تاريخنا مع التجاهل تاريخ طويل ، وأعتقد أنه في هذه الأيام لا بد من وقف التجاهل ، فالثقة الزائدة بالنفس ، هي كضعف الشخصية ، الخطورة الكبرى أن تنكفئ عيناك عن النظر في عيني الحقيقة ، فتعالج الأعراض بدل الداء ، وتعطي الداء - بانشغالك بالأعراض - الزمن الكافي ليفتك أكثر فأكثر .

وحتى لا نجافي الحقيقة ، وكي لاندفن رؤوسنا في الرمال ، هناك مواطن آخر ، غير المندسّ ، وغير المهتمّ بالاستقرار ، وهو أيضاً غير المواطن صاحب المطالب المحقة ، هو مواطن يرى الأمور بغير هذا الاتجاه ، فما يُتعب الراغبين بالاستقرار يريحه ، وما يريحهم يتعبه ، وهو ليس مندسّاً ، لكن غلبته لسبب ما طائفيته ومذهبيته ، وتثور في داخله تفاصيل كثيرة من الذاكرة ، وقضى عمراً طويلاً منافقاً أيما نفاق ، وكان نفاقه مفهوماً ، لكن كان يجري تجاهل هذا النفاق ، فهل أتت الفرصة اليوم لوقف النفاق ، ولم تأت الفرصة لوقف التجاهل ؟ هل هذه الشريحة موجودة أم أنني أتوهم ؟ وإذا كانت موجودة : فهل ظهرت بالكامل أم أنها كامنة ؟ وكم هو حجمها ؟ وما مدى تأثيرها ؟

أعتقد أنه إذا أردنا أن نعرف إلى أين نتجه ، وإلى أين يجب أن نتجه ، فعلينا أن نجيب على هذين السؤالين بكل صدق وأمانة ، وبشجاعة فائقة يقتضيها هذا الظرف الاستثنائي :

•1- هل صحيح أنه إذا تآمرت ( إسرائيل ) والغرب وكل الدول العربية ، وكل فضائية على وجه الكرة الأرضية ، وأرسلوا ( المندسين ) وأرسلوا أفتك الأسلحة لهم ، هل صحيح أن هذا يمكن أن يقلق - لو قليلاً - الشعب السوري والدولة السورية ؟

•2- لكن أيضاً أليس صحيحاً أنه لو ُنفذت كل المطالب دون استثناء ، بل وأكثر منها ، وبعصى سحرية ، وبلمح البصر ، وُأتيَ بلبن العصفور، فإن شيئاً لن يتغير ؟

ألا يكون معنى هذا ، أن الهدف هو ليس فقط إسقاط النظام ، بل إسقاط سوريا ، وألا يعني هذا أيضاً ، أن قلقنا الأساسي هو من استجابة ما ، للتحريض الطائفي المذهبي ؟ وأن لا شيء يسقط سوريا غير هذه الاستجابة ؟

وإذا كانت الاصلاحات ، ووضع قوانين ، وإلغاء قوانين ، وزيادة رواتب ، وإقرار قانون حريات إعلامية ، وقانون أحزاب ، وأن تسهر الحكومة الجديدة الليالي ، وأن تعمل المعجزات ، كل هذا وغيره ....

إذا كان هذا يرضي المواطن صاحب المطالب المحقة ؟ فهل يرضي المواطن الآخر ؟

إن ما تفعله المحطات السورية والمسيرات ربما يحصّن من لم يصبه داء الطائفية والمذهبية ، لكن هل هذا يعالج المواطن المصاب ؟ ألا يستفزّه ما يسمع ؟؟ وخاصة من مبالغات ، وإن كان أصحابها لا يقصدون الاستفزاز ؟؟

هل نملك الشجاعة لننظر بهذا الاحتمال ؟؟ وفي حال وجوده ، ألا يكون هو أولوية الأولويات ؟؟ وهل نستطيع قبل فوات الأوان ، أن نضع رؤيا إستراتيجية حقيقية ، وننفذ ما تقتضيه هذه الإستراتيجية وبالسرعة الكلية ، ومهما بدا الثمن غالٍ ، ونفقأ القيئ الكامن في الجرح مرة واحدة وإلى الأبد .