الكاتب : مازن بلال

تعددت الروايات القادمة من مدينتي حمص واللاذقية، لكنها بمجملها تنقل صورة واضحة عن اضطرابات يتداخل فيها التظاهر مع العنف ومع محاولات أيضا في تشكيل "رمز" لتلك التظاهرات من خلال محاولة الاعتصام داخل ساحة "جمال عبد الناصر"، وتأتي تلك الأحداث مع تشييع ضحايا يوم أول أمس من رجال أمن وضباط جيش ومواطنين مدنيين. وتزامن مع هذه الأحداث اجتماع وزير الخارجية السوري وليد المعلم مع رؤوساء البعثات الدبلوماسية ودافع خلالها عن الإجراءات التي تتخذها الحكومة للحفاظ على أمن المواطن، مؤكدا أن هناك تحريضا إعلاميا يلعب دورا سلبيا ويضر "بمصلحة المواطن"، ومن جانب آخر اعتبرت الداخلية السورية أن ما شهدته البلاد منذ بداية الأحداث يمثل تمردا مسلحا يقوده سلفيون، وأكدت أنها لن تتساهل مع النشاطات الإرهابية وأنها " ستعمل بكل حزم لفرض استتباب الأمن والاستقرار على كل أرجاء الوطن وملاحقة الإرهابيين".

ورغم أن الاضطرابات تفرض مشهدا مختلطا ما بين الحراك السياسي والعنف، لكن تطورات أمس والتصريحات الرسمية بخصوص الأحداث توضح أن الإجراءات الحكومية اتخذت مسارا جديدا ربما يعبر عن توجهات الحكومة الجديدة، ويمكننا هنا النظر إلى زاويتين أساسيتين:

الأولى اتخاذ زمام المبادرة في مسألة "الأمن" حيث شهدنا أمس ولأول مرة تصريحات واضحة في هذا الخصوص، رغم أن الجيش وقوات الأمن تدخلت أكثر من مرة، لكنها اليوم تتعامل وفق توجه واضح ليس غايته فقط ضمان "الهدوء" داخل المناطق التي تشهد اضطرابات بل أيضا فرض الأمن بشكل عام وهو ما يعني صورة جديدة لانتشارها، أو ربما التعامل مع بعض الأحداث من زاوية مسائل "الإرهاب" على الأخص أن الداخلية السورية تحدثت عن هذا الموضوع صراحة.

الثانية تنحية التحريض الإعلامي جانبا طالما أنه أمر واقع سواء تحركت الحكومة نحو ضبط الأمور او تركتها تتحرك دون تدخل، فهناك احتكاك دائم وواضح وربما تماس مباشر ما بين المظاهرات والقوى الأمنية، وهذا الاحتكاك سيولد شئنا ام أبينا صداما ستسارع أجهزة الموبايل إلى التقاطها، فالخوف من الحملات الإعلامية لم يعد مبررا طالما ان هناك إطلاق نار حتى ولو اختلفت الروايات على من يقف وراءه.

لكن المشهد السياسي السوري وبعيدا عن الحالة الأمنية مازال مترقبا، وربما قلقا من المسار الذي اتخذته "المظاهرات"، فمسألة إلغاء حالة الطوارئ التي ستلغى مع نهاية هذا الأسبوع أو بداية الأسبوع القادم حسب كلمة الرئيس بشار الأسد لأعضاء الحكومة ستفرض واقعا مختلفا، وربما ستدفع بالمواضيع الحقوقية باتجاه الصدارة، فإذا فهمنا حالة الطوارئ من زاوية واحدة فقط على أنها إعطاء السلطة التنفيذية حق التدخل بغض النظر عن السلطة التشريعية، فإن الواقع خلال الأسبوع القادم سيفتح مجالا للبحث عن حلول إجرائية لهذا الأمر هذا عدا عن "الواقع الثقافي" الذي ربما سيعيد النظر إلى مجمل الحراك الاجتماعي بعد "انتهاء حالة الطوارئ".

عمليا فإن إلغاء هذه الحالة هو عنوان لمرحلة حتى ولو لم يؤثر على مسار الحياة العادية للمواطنين، فالتظاهرات رفعته كمطلب أول، لكنها لم تطرح ما الذي يعنيه بالنسبة لها، أو هل ستقدم بعد "إلغاءه" تصورا آخر للحياة السياسية السورية؟! صحيح أن هذا المطلب ترافق مع بنود أخرى تقلب الحياة السياسية رأسا على عقب لكنه كبند أول ربما يتحكم بكافة قواعد اللعبة السياسية القادمة.

الترقب اليوم يأتي من التلازم المفروض ما بين "الاضطرابات" والتهيئة لإلغاء حالة الطوارئ والتداخل ما بين الواقع الأمني الذي فرضه العنف والشغب داخل التظاهرات والإجراءات المرتقبة ربما تحدد المشهد القادم وبشكل سريع.