الكاتب : سها مصطفى

فاجئت التحركات الأخيرة في مدينة اللاذقية الشارع السوري، تحرك مهما حمله من تخريب إلا أن أيد مختلفة وقفت خلفه، التحرك الذي قاد المدينة نحو أيام دموية وفقا لمتابعين حمل شقين، شق طائفي، وشق آخر ممثلا بالخلايا المأجورة وهو الذي تحرك منذ البداية بفاعلية وحتى اليوم، الأخيرة تتحرك بتمويل ومد من عبد الحليم خدام وريبال الأسد، ويتوزع أفراده على حزام الفقر حول اطراف المدينة، منطلقين من حي السكنتوري والرمل الفلسطيني المجاور للسكنتوري، واتجه المتظاهرين المنطلقين من الحيين الآخيرين نحو وسط وعمق المدينة إلى شارع 8 آذار وحي الصليبة، لجر أهالي الحي الأخير بشعارات إسلامية في لعب على وتر طائفي، نجح مع اختلاط الأوراق من جر ’اهالي الصليبة’ إلى الشارع في جمعة 8 نيسان وليس الجمعة 15 نيسان أي أمس الاول الذي حصد مجموعة قليلة من المتظاهرين بلغ عددهم في افضل الاحوال حوالي 50 شخص وتظاهروا في حارة الشحاذين فقط.

بالعودة إلى تمشيط قوى الأمن يوم الجمعة 8 نيسان لجزء من الأسلحة والذي جاء بعد أن رمى ’المتظاهرين’ الديناميت واطلقوا الرصاص على الجيش خلال تفريقه لاعتصام، قام الامن بتمشيط جزء من الاسلحة التي استخدمت عند اندلاع الأحداث الطائفية في 25 آذار الماضي، فيما يرد سيناريو آخر عن الحادثة الأخيرة عن احتمال محاولة توريط المأجورين من حي السكنتوري لاهالي الصليبة بالتظاهر في الحي الاخير، وتسلل بعضهم الى سطوح الابنية وضرب الجيش بالديناميت عند مروره بالحي لتفريق المظاهرة وتوريط بعض اهالي الصليبة في وسط المدينة.

مصادر المعلومات هذه يدعمون روايتهم عن الخلايا المأجورة بالتدليل على أن’الزورق المطاطي الذي ضبط في الرمل الفلسطيني قادما من طرابلس حمل قدرا كبيرا من الأسلحة ولكنه بالمقابل حمل قدر أكبر من الدولارات’، لافتين إلى أن ’المتظاهرين يتم تحويل المال لهم عبر الحوالات المالية من الخارج، وبالوقت عينه منوهين إلى أن خدام أو ريبال الأسد لن يدفعا المال بقدر من يمدهما به دون تحديد مصدر التمويل بالنتيجة، وايضا دفع المال وشراء المتظاهرين بشكل شبه علني كما حدث في حادثة كراجات اللاذقية، لدى ضبط رجل يتفاوض وسيدة عجوز على المال لدفعها للتظاهر ولجمع متظاهرين علما أن من ضبطه هو مراهق شهد المحادثة بين الاثنين بالمصادفة، غير أن الخلايا الأخيرة استطاعت أن تحصد دهشة أهالي المدينة في حالة من التعاطي العلني للحشيش والمخدرات في الاعتصام الذي حدث الجمعة 1 نيسان في شارع 8 آذار’.

هذه الخلايا تتحرك بناء على التمويل وطالما أن هذا التمويل متوفر فهي ستتحرك حكما لتقديم خدماتها من تخريب أو حرق أو قنص وحتى تظاهر كما درج مؤخرا، في الأيام الأولى تحركت عناصر عبد الحليم خدام ضمن اطار المدن وداخل طائفة بعينها وفي بعض الحالات مضت نحو القرى بشجاعة وربما استخفاف، غير أن مجموعات ريبال الأسد تحركت في مختلف الساحات سواء داخل مدينة اللاذقية أو نحو ريفه دون أدنى استثناء نحو القرداحة وسلمى وبيت ياشوط وغيرها من قرى.

والأشخاص الذين قبض عليهم في مدينة اللاذقية حمل بعضهم جنسيات اجنبية كالاردن ولبنان وموريتانيا والسودان والسعودية عدا عن الهويات المزورة وجوازات السفر المتعددة التي ضبطت معهم والقناصات الحديثة، غير أن الباقي كان فعليا من سكان اللاذقية ومن ادلب، ومن ريف اللاذقية وبمافيه القرداحة جاءت المفاجئة مع مشاركة أشخاص من أذيال عائلات معروفة وتحركهم في توجه مغاير لرؤوس هذه العائلات، التي لطالما عرفت بولائها المطلق للرئيس حافظ الأسد، ولاحقا نجله بشار وتبوأها في كلا العهدين مناصب شتى في رئاسة أفرع حزب البعث وغيره.

في الوقت عينه يجري تحرك مقابل ينطلق من أسس طائفية داخل المدينة، التحرك الأخير لا يخفي توجهه الطائفي ومدخله الحشد الطائفي، قوامه أحياء داخل المدينة مثل الصليبة والعوينة والطابيات ومدخله الاستهجان ورفض التحالف القائم مابين السلطة القادمة من ريف اللاذقية وأصحاب رؤوس الأموال من أبناء المدينة نفسها، الحشد الطائفي امتزج مع الخلايا المأجورة عبر خيط رفيع يقوم على قاعدة المدخل الديني والطائفي مع عوامل خارجية.

علما أن ماحدث وبدأ في الخامس والعشرين من الشهر الماضي دفع بعض أبناء المدينة لاعادة النظر في موقفهم تجاه ’المظاهرة’، والعناصر المتحركة بشقيها الطائفي والمأجور ولفظها بعد التعاطف معها في اللحظات الأولى لاندلاع الحدث.

علما أن التحرك الطائفي والمأجور للمفارقة تحركا بإشارة واحدة، لكن من تسيده فعليا هو الخلايا المأجورة بعد انفكاك جزء من اهالي الصليبة عنه بعد مشاهدة التخريب أو’الزعران المأجورين’، غير أن القاسم المشترك لكلا المجموعتين كان الخطبة النارية لامام جامع الشيخ الضاهر أمام ساحة الشيخ ضاهر التي يتوسطها تمثال الرئيس حافظ الأسد، الخطبة التي يذكرها أهالي المدينة وتبادلوها على موبايلاتهم وسط جو من الدهشة لبعضهم والحماس لبعضهم الآخر امام ما اعلنته مكبرات الجامع من حض على ’التظاهر’ و’الثورة’، فيما انتشر حشد من الشبان المسلحين امام الجامع منتظرين تحديد الشعارات من قبل امام الجامع عقب صلاة الجمعة 25 اذار الماضي، الذي لم يألوا جهدا بدوره متبرعا بالاعلان صارخا’كلنا رح نطلع ونهتف: الله سوريا وحرية وبس’!

وجذور التحرك الطائفي ينطلق من عوامل اقتصادية مختلفة تعاني منها مختلف المحافظات السورية، لكنها تتم ضمن اطار تصفية حساب تاريخي تجاه ريف اللاذقية الذي اندمج مع المدينة وتبوأ سدتها في تحالف مابين السلطة وأصحاب رؤوس المال كما حدث في باق المحافظات السورية، مع تسيد الأسد سدة الحكم، وأضحى محرك التظاهرات مؤخرا حالة كسر الخوف واستعراض العضلات أمام أبناء المحافظة الواحدة بطوائفها المختلفة بكل مايحمله من رسائل مبطنة بالنتيجة للسلطة ولو بعد 40 عاما من الصمت برأيهم، في حالة من الرفض المطلق والتكفير لمختلف رموز السلطة حتى من أبناء المدينة أوالطائفة الواحدة، وإن كانوا شيوخا كزكريا سلواية عضو مجلس الشعب الذي نال قسطه من الضرب رغم دعواته للتظاهر السلمي...كل ذلك انفجر في 25 آذار الماضي!

أيضا، التحرك الأخير لا تبتعد عنه خلايا الاخوان المسلمين مع سيناريو الفتنة، خلايا نائمة عادت واستيقظت مع أذرع تحصل على تبرعات باسم الجمعيات الخيرية، تصل من السعودية مباشرة الى دمشق وغيرها من المحافظات إلى أيدي أئمة الجوامع الفاضلين المتخصصين مؤخرا بالحض على الثورة سيرا على خطا ماوصف بعالم علماء المسلمين : القرضاوي شيخ الفتنة!

مريدي القرضاوي محليا مع انتشار الصحون الفضائية يتوزعوا على شرائح عمرية مختلفة وجزء منهم من الشبان سواء كانوا في الجامعة او ممن لايحملو شهادة جامعية، علما أن جامعة تشرين لم تشهد أي تحرك حتى الآن، والتفسير الأخير لجاذبية القرضاوي للشبان يأتي من الاردن بسبب دروس ’الدين والجنس’ التي اشتهر بها القرضاوي وحاضر بها مجتذبا شريحة واسعة من الشبان العرب وبخاصة في الاردن، مادفع بالصحفي محمد الروسان الاردني للقول أن بعض المشايخ تحفظوا عن الظهور على شاشة التلفزيون السوري خوفا من أن تنقطع المعونات السعودية عنهم.

الوجه الجديد لاذرع الاخوان تمثل بدماء جديدة وتقنيات حداثوية جديدة كالفضائيات والفيس بوك والموبايلات وموقع اليوتيوب وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي التي تحولت لمتاريس حرب اعلامية يقودها للمفارقة فكر سلفي، ويقودها خطاب ديني سلفي تجاه الآخر سواء كان فرد أو شخص في السلطة، حتى أن خطاب الأسد أمام مجلس الشعب قرأه بعض هذه الخلايا محليا في المدينة من زاوية معاكسة، فمع اعلان الأسد عن استعداده للمعركة في رسالة للجهات الخارجية المحرضة قرأ البعض في الداخل الرسالة الأخيرة على أنها موجهة لهم! ويلاحظ أن التحرك في اللاذقية تراجع بشكل لافت بعد مداهمة معاقل الأسلحة في بانياس لجماعة وعناصر خدام التي تألفت من لون طائفي واحد تمترس داخل المدينة وداخل قرى محددة ومحدودة، وفق سيناريو الاعتصام والانطلاق من المساجد المكرر، علما انه ضبط بين عناصر أنس عيروط امام جامع النور الذي اعلن الجهاد في بانياس ضد الدولة، اشخاص افغانيين تركوا الجهاد في كابول وتفرغوا لقرى بانياس بعد هروبهم من جامع النور عبر النهر نحو القرى ونحو الكورنيش، في الوقت الذي كان فيه عيروط يدعي الاعتصام في الجامع ومحاصرته من قبل الدولة على فضائية الجزيرة، فيما انتشرت قناصة عيروط واختبأت في مجارير المياه وبين البيوت البلاستيكية في بانياس وقنصت الجيش والامن.

ويتشابه سيناريو الأحداث في اللاذقية، مع الصراع الدموي الذي اطلقته جماعة الاخوان المسلمين عام 1979 بقتل شيخين من طائفتين مختلفتين، لكن قاد التحرك نحو الريف وقراه في بعض الحالات عناصر ريبال الاسد على اعتبار أن اهل مكة ادرى بشعابها وايضا توجهوا نحو داخل المدينة، فيما تحركت جماعة خدام من ’خلايا مأجورة’ إن جاز التعبير ونستخدمه كاصطلاح للتمييز، أو الاخوان المسلمين ومريدي أذرع القرضاوي تحركت داخل المدينة ولم توفر في بعض الحالات الريف، مستخدمة شاحنات ونساء في مراحل عمرية متقدمة من الاردن ومن اللاذقية وادلب محملة بالسلاح.

إلا أن التحركات الأخيرة رغم تناقص عديد أفرادها حملت وجها ملتبسا، فقد تبدو تحركا طبقيا من طبقات فقيرة تجاه أخرى أكثر ثراء بحثا عن العدالة اجتماعية، لكنها فعليا تحركت على قاعدة التمويل والطائفية والتخلف وايضا الخطاب الديني المتشدد، في ظل الفراغ السياسي وعدم وجود حراك مجتمعي اهلي وعوامل اقتصادية مختلفة، علما أن مايساق في هذا المجال يدعم الفرضية الأخيرة القائلة بوجود تنظيم مسلح وعمليات منظمة بما أن عمليات القنص والكمائن للجيش لم تكن مصادفة او عشوائية، فالمجموعات المأجورة تحركت بتوافق مع الشعارات التي شرعت الفضائيات العربية والمعارضة بتلقيمه للـ’متظاهرين’، فالتحرك في اللاذقية الذي انطلق تحت اطار الطائفية والتخريب في البداية، تحول لاحقا مع محاصرة الفتنة واعلان الاصلاح ودراسة رفع قانون الطوارىء، الى شعارات تنادي بالحرية و...تسريع وتيرة الاصلاح وايضا رفع قانون الطوارىء في اسبوعها الثاني، ونذكر في هذا المجال أنه ولدى سؤال محافظ اللاذقية رياض حجاب المعتصمين عن ماهية قانون الطوارىء الذي يطالبون برفعه، كان الرد من المتظاهرين والمعتصمين الذين تترواح اعمارهم بين 17 سنة ومافوق ومن احياء فقيرة، كان الرد بعد صمت بليغ بأنه’طوارىء الكهرباء وطوارىء المياه وعند رفعه لن يسددوا أي فاتورة’!

فيما طالب آخرون من المحافظ مقارنة عدد الموظفين من طائفة بعينها ومقارنتها مع الموظفين من طائفتهم، وطالب آخرون بفوز فريق حطين ببطولة الدوري لمدة عامين.

بالنتيجة فإن الفراغ السياسي وتقادم الأحزاب ومؤسسات حزبية كالشبيبة وغيرها تسيدته المؤسسات الدينية المتطرفة وباتت مدخلا لحشد شارع محتقن، وفي الوقت نفسه غاب عن تحرك اللاذقية اي توجه حزبي من الاحزاب والكتل التي شارك فيها أهالي اللاذقية بعد الاستقلال مثل رشدي الكيخيا وغيره من ابناء اللاذقية، تلك التكتلات التي شاركت بها برجوزازية اللاذقية في حراك وحزب وكتلة وطنية لاتحمل شعارا إسلاميا غابت عما حدث في احداث اللاذقية، وحل مكانها بعض من أفراد الطبقة الوسطى في توجه ديني طائفي، وطبقة فقيرة ضمن اطار مجموعات وخلايا مأجورة، لتشهد المدينة مجددا تحرك الاخوان المسلمين الذين سبق أن هاجم أحدهم خلال الخمسينات الرئيس حافظ الاسد محاولا طعنه، في مدرسة التجهيز ’جول جمال’ خلال دراسته وخلال المناوشات بين الطلاب المنتمين لاحزاب مختلفة خلال فترة مابعد الاستقلال التي شهدت حراكا فكريا وسياسيا حزبيا واسعا.

غير أن المدينة توزعت في وقت سابق وفقا لمجايليها على خط رفيع، ففي الوقت الذي لم تجذب كثيرا حركة الاخوان المسلمين سكان مدينة اللاذقية بعد الاستقلال وحتى الستينات حصرا، اجتذب الحراك الشيوعي والقومي والبعثي والسوري القومي المدينة، وتركز الاخير في ريف اللاذقية وطرطوس وريفها وليس في مدينة اللاذقية التي فضلت الطبقة البرجوازية فيها الابتعاد عن الحزب العالماني وان كان بعض افرادها معجبين بأفكاره.

ايضا كان هناك خط رفيع يفصل بين تيار إسلامي وبين الاخوان المسلمين واحزاب تقدمية، ليشكل أشخاص من تيارات شيوعية وقومية لكنهم يحملون خلفيات إسلامية.

واليوم يغيب عن أدنى فاعلية الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي كان فاعلا في وقت مضى في الشارع السوري، وفشل في احتواء ماجرى امام انخراط مختلف شرائح المدينة بوضع لجان شعبية للقبض على القناصة والمخربين، ومؤخرا أصبحت المجموعات المسلحة من خلايا مأجورة وما وصف بالمعتصمين والمتظاهرين مصممة على استفزاز الأمن والشرطة بهدف اراقة المزيد من الدماء سواء عبر شتم عناصر الشرطة والامن او بضربهم.

نذكر أنه شارك في المظاهرات التي ارتدت وجها طائفيا بعض الوجوه القديمة حزبيا كرابطة العمل ’فاتح جاموس’ على أمل أن تعطي وجها تقدميا لهذه التحركات ربما من وجهة نظر فاتح جاموس الشيوعية جدا...حتى الآن!

ونذكر ان المتظاهرين القادمين من السكنتوري الى الصليبة هتفوا بإسقاط النظام وايضا ’بالروح بالدم نفديك اسرائيل’ وعندما لم يتجاوب اهالي الصليبة معهم اتهموهم بالجبن، وهذه التحركات تستمر لتعطيل الحراك الاقتصادي في مدينة اللاذقية، اذا أنها على قلة عديدها ورغم عدم تجاوب السكان معها ورفض بعضهم اغلاق محالهم، بدأت تصبح أكثر ضراوة مؤخرا مع التعرض للامن وشتمه من قبل المتظاهرين، ونذكر ايضا ان ترديد الهتاف لإسرائيل سبق وان حدث في بانياس من قبل عناصر خدام، وأمس هاجم المسلحون على الموتورات عناصر الشرطة واسفر عن مقتل عدد من عناصر الشرطة والجيش عرف منهم النقيب احمد خير بك .