الكاتب : مازن بلال

لو حدث الأمر قبل أعوام لكانت مسألة مقتل بن لادن مثار جدل ونقاشات، لكن موقع هذا الموضوع هو في عمق الشخصية الأمريكية وفي داخل التفاعل الانتخابي الذي يجري اليوم، فالمنطقة العربية بصورتها تجاوزت مرحلة "تنظيم القاعدة"، وهذا التجاوز سياسي وليس بالضرورة عدم وجود خلايا لهذا التنظيم أو مناصرين له، فالانشغال الأساسي اليوم يتمحور حول شكل الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد "الثورات"، على الأخص أنها تفاوتت في شكلها وعواملها، أو حتى في تكوينها الداخلي، ولكن هل لـ"بلادن" علاقة بما حدث؟

السؤال لا يتعلق بالتأثيرات المباشر للتنظيمات السلفية على الحدث المحلي، ولا بقدرة "القاعدة" على خلق تحرك على المستوى الإقليمي، ففي النهاية يمكن النظر إلى تلك "القيادات الدينية المتطرفة" على أنها ظاهرة تم إنتاجها في المنطقة، وهو من جانب آخر قدمت الخطوات الأولى للانهيار الذي ضرب "الحراك السياسي" العربي، فظاهرة القاعدة كانت النافذة الي يمكن النظر إليها باتجاه العالم العربي كمجال خرج عن مفهوم السياسة، وربما تهاوت مؤسساته لصالح "رؤى" انتكست عن مراحل النهضة في أواخر القرن التاسع عشر، وعن زمن المد العروبي وحركات التحرر الوطنية التي حملت بمجملها أفكارا يسارية.

وبالتأكيد فهناك من يقدم أدلة على أن "بن لادن" هو من ابتداع الأجهزة الغربية، وانه حارب لصالحها في أفغانستان، لكننا هنا نتحدث عنه كـ"ظاهرة" وليس كشخص، ففي تلك الظاهرة هناك حالة استبدال ما بين "النخب الفكرية" الثورية بـ"نخب" دينية راديكالية أو متطرفة، وهذه المرحلة التي استمرت لأكثر من عشرين عاما، قدمت مظهرا لإفلاس سياسي كامل، ولانزياح عن كل مفاهيم المؤسسات بمعناها المعاصر، لندخل العقد الثاني من الألفية الجديدة على إيقاع انتقال في تكوين الخارطة السياسية مثلته الثورات العربية.

مهما كانت خارطة الاحتجاجات العربية أو طريقة تفسيرنا لها لكنها تشكل حقبة مختلفة، وعندما نتحدث عن حقبة فنحن لا نستطيع أن نطلق أحكاما "قيمية" عليها، لأنها ستحمل معها كل شيء، لكنها بالتأكيد وليدة المراحل السابقة التي انهارت فيها "السياسة" لصالح الصور التراثية، وهي أيضا يمكن أن تجرف معها كل التصورات التي كنا نريدها منها، لأن هذه الاحتجاجات أو الثورات لا علاقة لها بالهموم العامة المتوقعة مثل مسألة الصراع العربي - الإسرائيلي على سبيل المثال، فهي كاحتجاجات سواء استطاعت خلق إرادة عامة مثل مصر، أو خلقت انقسامات كما في ليبيا، أو تركت بصمات من الفوضى في أماكن أخرى، لكنها في النهاية نتيجة اجتماعية غاب من معظمها الحراك السياسي المنظم، وخضعت بشكل سريع للتقلبات الإعلامي ولمزاج اجتماعي لم يحدد موقعه بشكل عام.

البعض يعتقد أن تلك "الثورات" كسرت القاعدة الخاصة بتطور الطبقة الوسطى كضرورة لقيام الديمقراطيات، لكن هذا الأمر لا يمكن الحكم عليه بشكل مسبق وسريع، فالدراسات القادمة يمكن أن تفسرها وفق مسار خاص، أما ما يجري اليوم فهو حتى اللحظة ارتداد ربما متأخر عن انهيارات المنطقة العربية إجمالا التي أوجدت ظواهر مثل تنظيم القاعدة أو غيره من الحركات.