الكاتب : سعيد وهبة

إنطلاقا من المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان

إن التغيير باتجاه الديمقراطية وحقوق الإنسان يشغل بال الجميع في بلادنا والعالم . ولا بد عند الكلام عن الديمقراطية من توضيح المفاهيم المتعلقة بحقوق الإنسان التي تشكل المرجع الأساسي لكل ما هو ديمقراطي حتى نصل لتعريف واضح للديمقراطية ، إنطلاقا من المواثيق الدولية والصادرة عن الأمم المتحدة طالما أن الجمهورية العربية السورية هي إحدى الدول المنضمة لمنظمة الأمم المتحدة .

حتى لا يكون هناك أي لبس أو خطأ في تفسير ماهية حقوق الإنسان ، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948 الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والذي يحدد بشكل واضح ولا لبس فيه ماهية هذا المفهوم الذي يجب على الدول المنضمة لهذه المنظمة أن تحترمه ، طالما أنها قبلت الانضمام إلى هذه المنظمة ووقعت على ميثاقها . ففي المادة الثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ورد :

لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان دون أي تمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر دون أية تفرقة بين الرجال والنساء . وتؤكد المادة الثلاثون من هذا الإعلان على عدم إجازة تأويل أي نص يخول دولة أو جماعة أو فرد في القيام بنشاط أو تأدية أي عمل بهدف هدم الحقوق والحريات الواردة فيه .

وتم التأكيد على هذا المفهوم في العديد من الإعلانات والاتفاقيات اللاحقة ، مع الإصرار المستمر على أن هذه المبادئ غير قابلة للتجزئة أو التأويل ، كما ورد في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية1966، وإعلان طهران 1968، والإعلان بشأن القضاء على جميع أشكال التعصب والتمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقد 1981، والإعلان بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية وإلى أقليات دينية ولغوية 1992، والإعلان المتعلق بحق ومسؤولية اﻷفراد والجماعات وهيئات المجتمع في تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية المعترف بها عالميا 1998.

لقد تبين من خلال التجربة أن انتهاك المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان هو السبب الأساسي للنزاعات داخل المجتعمات أو بين الدول . لذلك إذا أردنا للسلم أن يعم فلا بد من الالتزام بهذه المبادئ وإيجاد الطرق والوسائل لحمايتها .

يبقى الدستور، والذي يحدد العلاقات بين السلطة والمواطنين وبين المواطنين أنفسهم ، هو الضمانة الوحيدة والأساسية لهذه الحقوق( وليس الجيش كما نسمع في تركيا ) . ويجب أن يحوي هذا الدستور موادا ونصوصا واضحة تضمن الحرية والمساواة لكافة مواطني هذه الدولة بصرف النظر عن الانتماء العرقي أو الديني أو المذهبي دوي تفريق بين الرجال والنساء ، بما يتناسب بشكل جلي ومعلن مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته الثانية .

كما يجب على هذا الدستور أن يتضمن نصوصا وآليات تضمن عدم إمكانية الاحتيال على الدستور أو تأويله برأي الأغلبية أو بأي شكل آخر، بما يتناسب مع المادة الثلاثين من الشرعة العالمية لحقوق الإنسان .

لذلك من الأهمية بمكان عدم السماح لأية جماعة أو حزب الوصول عبر الانتخابات إلى السلطة التشريعية بحيث تعمل على تغيير الدستور باتجاه ضمان سيطرتها الدائمة على هذه الدولة وتغليب فئة على فئة في أي منصب أو حق ، منتهكين بذلك الحقوق الدستورية للأفراد المجموعات الأخرى. (الإعلان المتعلق بحق ومسؤولية اﻷفراد والجماعات وهيئات المجتمع في تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية المعترف بها عالميا في مواده 14-20 )

فالديمقراطية بهذا المعنى ليست رأي الأغلبية فحسب ، ولكنه رأي الأغلبية مع المحافظة على الحقوق الدستورية لأي فرد أو أقلية مهما كان انتماؤها أو حجمها كاملة غير منقوصة وبمساواة كاملة بين كل مواطني هذه الدولة .

لذلك يجب عدم السماح من المشاركة أصلا في الانتخابات والوصول إلى السلطة التشريعية لأي حزب أو جماعة لا تلتزم من حيث المبدأ والعقيدة، وبشكل معلن ، بشرعة حقوق الإنسان وألا يوجد في مبادئها وعقائدها ما يمكن أن يشير إلى إلغاء الآخر في المواطنية.

( لقد استطاع هتلر وحزبه عن طريق الانتخابات الوصول إلى السلطة التنفيذية ، ليقلب الطاولة عبرها على كل ما هو انتخابي وديمقراطي وليجر على شعبه وعلى العالم الويلات ) .

وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه على الدول جميعها أن تلتزم بميثاق الأمم المتحدة والمعاهدات والإعلانات المتعلقة بحقوق الإنسان وعلى رأسها " الإعلان المتعلق بحق ومسؤولية الأفراد والجماعات وهيئات المجتمع في تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية المعترف بها عالميا " ، وذلك عن طريق عدم تقديم الدعم والملاذ لأي فرد أو جماعة معارضة في أي دولة كانت إلا إذا كانت هذه الجماعة ملتزمة بالشرعة العالمية لحقوق الإنسان ولا يوجد في مبادئها ما يمكن أن يكون مناقضا لهذه المبادئ وما يمكن أن يؤدي لإلغاء الآخر دستوريا ، وأن يكون هذا الالتزام من قبل هذه الجماعة معلن وواضح . والدول العظمى وخاصة منها التي تدعي حمايتها لحقوق الإنسان ، مطالبة بتطبيق هذا الالتزام وعدم تجاوز مبادئها الأخلاقية في سبيل مصالح سياسية آنية ، فالأحداث أظهرت خطورة هذا التصرف على الدول الكبرى كما هو على الدول الصغيرة المتناحرة فيما بينها ، والشواهد على ذلك كثيرة وواضحة .

أود هنا أن أعرض وجهة نظر واقتراح لآلية هذا التغيير .

في محاولة استشرافنا للمستقبل ، لا بد لنا من دراسة الحاضر والعودة إلى الماضي للاستفادة من دروسه.

(المرجع المعتمد في المراجعة التاريخية هو كتاب الصحفي البريطاني باتريك سيل " الأسد والصراع على الشرق الأوسط").

بعد نهاية الانتداب الفرنسي على سوريا واستقلالها ، كان المجتمع السوري يخضع بشكل أساسي لتأثير مجموعة من الأحزاب الشمولية كحزب البعث والحزب السوري القومي الاجتماعي والحزب الشيوعي وجماعة الإخوان المسلمين . والمنتمين لهذه الأحزاب كلها يحملون أهدافا نبيلة لإصلاح مجتمعاتهم ولكنهم في سبيل الوصول إلى تحقيق هذه الأهداف النبيلة لا مانع لديهم من استعمال وسائل غير نبيلة، فحقوق الإنسان الفرد تبقى ثانوية أمام الغاية الأسمى وهو المجتمع كما يتصورونه وكما رسمه خيالهم وإيمانهم، و بالرغم من دخول هذه الأحزاب انتخابات المجلس النيابي آنذاك ، إلا أن مشاركة هذه الأحزاب في الانتخابات لم يكن عن إيمان بهذه العملية الانتخابية وباستمراريتها ولكنه كان مرحلة للوصول إلى السلطة المطلقة لتنفيذ برامجها ونظرتها الشاملة للمجتمع. ( وهنا أكرر التذكير بطريقة وصول الحزب النازي في المانيا إلى الحكم )

ضمن مناخ الحرب الباردة وضمن مناح الصراع العربي الإسرائيلي استطاع حزب البعث العربي الاشتراكي من الوصول إلى السلطة المطلقة وبعد عدة حركات انقلابية داخل الحزب استطاع الفريق حافظ الأسد ومن خلال حزب البعث الوصول إلى السلطة ببرنامج إصلاحي عرف بالحركة التصحيحية . تميز النهج الإصلاحي الذي اتبعه حافظ الأسد منذ بدء حركته بما يلي :

1.إنشاء ما سمي الجبهة الوطنية التقدمية من الأحزاب التي تقترب في توجهاته العقائدية من حزب البعث ويدار الحكم في البلد عن طريق قيادة هذه الجبهة .

2.وضع دستور للبلاد أعطى في اقتراحه الأولي لكل المواطنين السوريين نفس الحقوق في منصب رئاسة الجمهورية . 3

.استحداث مجلسا تشريعيا باسم مجلس الشعب على أن يكون نصفه من العمال والفلاحين في محاولة لتمثيل كافة قطاعات الشعب وليس أثرياؤه فقط ، ويكون ثلثا الأعضاء من المنتمين للجبهة الوطنية التقدمية والباقي من المستقلين .

4.إعطاء الحرية الكاملة في انتخابات مجالس إدارة المنظمات الشعبية كالنقابات المهنية .

نرى أن حركة حافظ الأسد الإصلاحية ، كانت خطوة على مستوى تحقيق حقوق الإنسان وإن كانت غير كاملة .

فقد تنازل عن فكرة حكم الحزب الواحد إلى شكل من أشكال التعددية وتحول حزب البعث من الحزب الواحد الحاكم إلى الحزب القائد.

ضمن مناخ من حرية الاختيار ، وصل إلى قيادة الكثير من المنظمات الشعبية أشخاصا لا ينتمون لحزب البعث ، لكنهم من خلال هذه المنظمات باشروا بالعمل على تقويض الدولة مستفيدين من تحركات جماعة الإخوان المسلمين ضد الدولة . ولكن النهج الذي اعتمده الأخوان المسلمون لتغيير الحكم ، جاء هذه المرة مغايرا لما كان سائدا في سوريا وهو الانقلابات العسكرية حيث كانت تنحصر المواجهة بين من هم في السلطة ومن يود تغييرها.

لقد اعتمد الإخوان المسلمون نهج الإرهاب ، باعتماد الاغتيالات الفردية والاغتيال الجماعي والتفجيرات والسيارات المفخخة والانتحارية ، لا يفرقون بين المدني والعسكري ، ولا بين رجل السياسة ورجل العلم ، ولا بين من هو مع السلطة أساسا أو ضدها .

النتيجة كانت تراجع الحكم عن كل ما هو إصلاحي باتجاه نظام أمني صارم شمل كل نواحي الحياة حتى الحزب نفسه . لقد تراجع النظام عن مبادئه الإصلاحية التي قام عليها لتصبح عناوين مفرغة من محتواها ، وليصبح النظام رهينة حماته وبينهم صالحون ومفسدون ولينعم الشعب بالكثير من الأمن ولكن بحريات أقل وليصبح الشعب أسير خوف لا متناه من أي تغيير فالبديل مخيف جدا وخطر جدا . وبالنتيجة النهائية أصبحت أية محاولة للإصلاح إن كان من جهة النظام نفسه أو من جهة الشعب شبه مستحيلة سلميا لا عنفيا ، فالطرفان أسرى للخوف من أي تغيير أو إصلاح .

يقول باتريك سيل في كتابه الأسد والصراع على الشرق الأوسط : " ونجمت عن العقد المخيب للآمال خسائر فادحة ، فالنظام الذي كان الأسد يريد أن يكون إنسانيا قد اصطبغ بالقسوة . أما عادات الحكم المطلق التي حكم عليها في الصراع من أجل البقاء فقد ثبت أنها تسبب الإدمان ، وأما الجو المنفتح المتحرر نسبيا في بداية رئاسته فلم يعد بإمكانه أن يزدهر بسهولة في ظل أدوات القمع القوية التي نمت وتعاظمت .

ولم يكن يجد الأسد متعة في البطش إنما لجأ إلية لأسباب تتعلق بوجود الدولة ، ففي مواجهة خطر الإرهابيين الجدي اضطر أن يضحي بكثير من مبادئ حركته التصحيحية . "

لم تنحصر نتائج ما حصل على سوريا فحسب ولكنها تجاوزته إلى دول المنطقة التي استفادت من التجربة السورية ولتتحول بمجملها لأنظمة أمنية قمعية حماية لأنظمتها واستطاعت عن طريق هذا النظام الأمني القمعي من تأمين استمراريتها في الحكم والمحافظة على شكل من أشكال الأمن في مجتمعاتها ، يستثنى من ذلك لبنان حيث نظام الحكم التعددي، بشكل أو بآخر، والنظام شبه الديمقراطي والذي يصعب معه قيام نظام أمني غير قابل للخرق، جعله ساحة لصراعات الأنظمة وجعله مسرحا للانفلات الأمني بدون الحماية الأمنية السورية والذي بدوره أعطى الأمن ولكن على حساب الحرية .

امتدت نتائج ما حصل في سوريا إلى دول العالم . فالدول الغربية ضمن مناخ الحرب الباردة والصراع العربي الإسرائيلي ، غلّبوا مصالحهم السياسية على مبادئهم الأخلاقية وناصبوا النظام السوري العداء متهمين إياه بمعاداته لحقوق الإنسان . قدموا الدعم والملاذ لجماعة الإخوان المسلمين بالرغم من اعتمادها الإرهاب نهجا في تغيير الحكم وكذلك قدموا الدعم والملاذ لمن خرج من تحت عباءتهم في سوريا وغيرها من حاملي أفكار أكثر تطرفا وأكثر عنفا . وانطلاقا من الغرب ، أعادت هذه المجموعات تنظيم أنفسها ، مستفيدين من مناخ الحرية السائد في تلك الدول ومستفيدين مما توصلت إليه هذه المجتمعات من تقدم على مستوى المعلوماتية والاتصالات ومعايشته مباشرة على شكل لم يكونوا ليحلموا به في مجتمعاتهم المتخلفة ،ليتجاوز عملهم الإرهابي سوريا إلى الدول العربية وليشمل العالم بأسره والغرب على رأسه لاحقا . لقد ارتكب الغرب خطأ تاريخيا ، عندما غلّب المصالح السياسية على مبادئ حقوق الإنسان الذي يدعي إيمانه بها ، وذلك بدعمه وباسم حقوق الإنسان، مجموعات بعيدة كل البعد حينها عن مفهوم هذه الحقوق وتعتمد الإرهاب نهجا للتغيير .

لقد استطاعت الدول الغربية ، بعد قرون من النزاعات والحروب والملايين من الضحايا من الوصول إلى أشكال من الحكم تضمن الأمن لمجتمعها دون المساس بحرية الفرد وحقوق الإنسان ، ولكن بهذا الخطأ التاريخي يبدو أن هذا الإنجاز الكبير الذي تم تحقيقه وهو الجمع بين الأمن والحرية مهدد بالزوال . وشتان الفرق بين مناخ الحرية والأمن الذي عشته حين إقامتي في ألمانيا أو خلال زيارتي الأولى للولايات المتحدة في أواخر السبعينيات وبين التشدد الأمني الذي يثقل الحرية الذي عاينته في زيارتي الثانية للولايات المتحدة عام 2003 .

لو كان المجتمع الدولي حينها أكثر التزاما بمبادئ حقوق الإنسان ، من حيث الدعم والتحالفات لتحقيق غايات سياسية لما وصلت مجموعات متطرفة إلى الحكم وافغانستان شاهد على ذلك .

وأود في هذا السياق أن أوضح أن ما آل إليه المجتمع في سوريا تحت حكم البعث ، كان سيتكرر تحت سلطة أي من الأحزاب المتوفرة حينها على الساحة ، فالمنطلقات الفكرية الشمولية واحدة وإن اختلفت المبادئ والنتيجة ستكون نفسها ، فلا بد هنا من تخفيف اللوم الموجه لهذا الحزب في ما وصلنا إليه ولكن مشكلته أنه وصل إلى الحكم وخاض التجربة ، أما المعارضة فسهلة " قل كلمتك وامش " والصعوبة هي في اتخاذ القرارات . فحزب البعث اتبع نهجا في الحكم كان سائدا في مجموعة كبيرة من الدول بما عرف بمنظومة الدول التقدمية والاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفييتي وقد استقى منها الكثير من تنظيماته كطلائع البعث وشبيبة الثورة والجيش العقائدي إلخ .

ولكن كما اننا مطالبون بتخفيف اللوم عن حزب البعث ، فحزب البعث مطالب باستيعاب التبدلات الحاصلة على الساحة الدولية بانهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومة الدول التقدمية والاشتراكية والتي كانت تشكل مرجعا لشكل الحكم . كما انهارت قبلها مجموعة الدول النازية والفاشستية مع نهاية الحرب العالمية الثانية . لقد استطاع فرانكو، الذي وصل إلى السلطة بدعم ألمانيا النازية وايطاليا الفاشيستية ، استيعاب التبدل الحاصل في الساحة الاوروبية والعالم وتجاوز كتائبه الفاشيستية وعمل على الانتقال باسبانيا إلي ما هي عليه اليوم متناغمة مع محيطها الأوروبي .

إن الرغبة في التغيير باتجاه الديمقراطية وحرية الفرد ، أصبحت مطلبا من الجميع وفكرة تراود كل قطاعات الشعب السوري بما فيها الحزب البعث الحاكم ، مرورا بالأحزاب الأخرى كالحزب السوري القومي الاجتماعي والحزب الشيوعي وحتى جماعة الإخوان المسلمين التي ظهر أنها غيرت نهجها في الوصول إلى الحكم . لا بد أن هذا المطلب لم يعد محصورا داخل الدول ، بل أنه أصبح مطلبا دوليا لما لانتهاك حقوق الإنسان و قمع الحريات من تأثير على السلم والأمن الدوليين .

ولكن كيف ومن أين نبدأ ؟

يمكن للتغيير أن يحدث بطريقين : الطريق الانقلابي الفجائي أو الطريق المرحلي التدريجي . إلا أن الطريق الفجائي له نتائج وخيمة فهو يؤدي إلى فراغ في السلطة وإلى عدم تعبير الفئات التي تنجح في هذه الانتخابات إن حدثت عن رأي الأغلبية الفعلي .وقد أثبتت التجربة أن الانتقال الفجائي إلى الانتخابية بدون تحضير وترو له نتائج كارثية على المجتمع فالجزائر والعراق شاهدان على ذلك . لذلك من الأجدى سلوك طريقة الانتقال المرحلي التدريجي .

ففي هذه الأنظمة الأمنية والتي استطاعت المحافظة على استمراريتها في الحكم لعقود طويلة(وهنا أتكلم عن كل الأنظمة العربية) ، تم قمع كل الحركات الفكرية في مجتمعاتها من خلال قانون طوارئ لجأت إليه لحماية النظام من محاولات قلبه من المناوئين له إن كان من داخل النظام أومن خارجه ، وقد تم التسويق له تحت ذريعة حروبنا القومية والإرهاب . لقد تم السيطرة على كل وسائل الإعلام بشكل لم يعد من الممكن لأية فكرة أن تزدهر إلا إذا حصلت على موافقة السلطة . يستثنى من ذلك أصحاب الفكر الديني المتطرف ، الذين اتخذوا من المساجد والجوامع، وبسبب غيمية ما هو دين وما هو سياسة في التعاليم الإسلامية ، منبرا إعلاميا ينتشر في طول البلاد وعرضها حتى أصغر قرية . يروجون عبرها للأفكار الدينية المتطرفة والداعية للعنف ، وخاصة أن الدول العربية ذهبت إلى تملق هذا الفكر بتأثير البترودولار من جهة ولمواجهة الخوف من تكفير الدولة في ظن منهم أنهم يستطيعون بذلك تحييد فئة كبيرة من المجتمع واستمالتها، فلجأوا إلى زيادة برامج التعليم والتفسير الديني في وسائل الإعلام الحكومية والتي تعرض بشكل تلقيني لا حواري، ومنعت مناقشة هذه الأفكار مع كل ما يمكن أن تمثله من أفكار منافية لعقيدة النظام نفسه أو معلومات مغلوطة أو مواضيع بحاجة لنقاش لأنها مواضيع خلافية أصلا حتى بين الفرق الإسلامية ، ظنا منها أن التكتم على الخلافات الفكرية إنما يحافظ على وحدة المجتمع وينأى به عن الانقسام ، ولكن في حقيقة الأمر كانت هذه المواضيع الخلافية جمرا تحت رماد ، يتفجر بركانه عند أول هزة ، كما حدث في العراق. انضم العديد من الشباب إلى هذه التنظيمات الدينية المتطرفة والإرهابية أحيانا لأنها الفكر الوحيد المعارض الموجود على الساحة والذي يمكن له أن يسوق لأفكاره ويروج لها، بينما بقي الفكر الديني المعتدل والعلماني والليبرالي معزولا عن مجتمعه لسيطرة الدولة على كل الوسائل الإعلامية من صحف وإذاعات وتلفزيون. لقد أجبر هذا الفكر المعتدل والليبرالي على خوض معركة غير عادلة ، وقع فيها تحت مطرقة السلطة وتهمة الخيانة وعقوبة الاعتقال إذا ناقش شؤون الدولة وسندان التطرف الديني وتهمة الكفر وعقوبة هدر الدم إذا ناقش شؤون الدين(مثاله نصر حامد أبو زيد وفرج فودة ). مما أدى إلى انعزال واعتكاف المنادين بهذه الأفكار، بسبب هذا القمع المزدوج ، في منازلهم وعاشوا على هامش الأحداث ، لا يشاركون في أي شأن عام ، فكل شيء مخطط له مسبقا من الأجهزة الأمنية وأي انتخاب معروف النتائج مسبقا . وكل مواطن ، إذا خالف ما تريده الأجهزة الأمنية أو تجرأ على الاعتراض حتى لما فيه مصلحة النظام ، مهدد بقانون طوارئ يسمح بزجه في السجن حتى بدون أن يعلم أحد بسبب اعتقاله ومهدد بقانون التكفير وبإباحة الدم إذا ناقش أمور الدين بما لا يتناسب مع آراء أصحاب الفكر الديني المتطرف. وأصبحت القلة المسيّسة والمنظمة تنحصر في جماعة النظام وجماعة التطرف الديني ، أما غالبية الشعب فأصبحت مهمشة تماما وغير مسيّسة ، بمعنى أنها غير منظمة سياسيا. فالخيارات الفكرية المتاحة تنحصر بين جماعة السلطة وجماعة التطرف الديني وفي حال حدوث الانتخابات بشكل فجائي يوضع المواطن أمام الخيار الصعب إما جماعة فكر الدولة الذي استهلك عبر سنين الحكم الطويلة أو جماعة الفكر الديني المتطرف . من هذا المنطلق لا بد من إعادة تأهيل وإشراك المواطنين بالعملية السياسية عن طريق السماح مجددا للأحزاب بالعمل والسماح بحرية الرأي والأفكار دون أي تحديد مهما كان نوعه وعبر كل الوسائل الإعلامية وخاصة منها المرئية, وأن تعرض الأفكار بشكل حواري لا تلقيني تطرح فيه الأفكار للمناقشة الحرة والمفتوحة ويترك للشعب بعدها الاختيار.

ولكن لا يمكن أن يتم ذلك إلا مرحليا وتحت رعاية وحماية السلطة نفسها حتى يمكن للشعب أن يعيد النظر في خياراته وتوجهاته في مناخ من الحرية وحتى تأتي الانتخابات معبرة فعلا عن رأي الأغلبية ، لا كما حدث في الجزائر . ولا بد عند سن قانون الأحزاب أن تقبل هذه الأحزاب ، مهما كانت منطلقاتها الفكرية علمانية أو دينية، ومن حيث العقيدة والمبدأ المعلن، بالمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان وألا يوجد في مبادئها ما يمكن له أن يلغي الآخر دستوريا ، ولا يوجد في عقيدتها ما يمكن تأويله أو الاستناد إليه لحصر السلطة في عرق أو دين أو مذهب أو حزب ، وأن يتم ضمان ذلك بالدستور بما يمكن أن يحويه هذا الدستور من نصوص لا تسمح بإمكانية إلغاء الشركاء الآخرين في المواطنية مهما كان انتماؤهم فالأحزاب الدينية تستطيع أن تأخذ من حزب العدالة والتنمية التركي قدوة ومثالا . أننا جميعا متفقون أنه " لا إكراه في الدين " من حيث هو فكر وإيمان ، يجب ألا يكون هناك إكراه في فرض الانتماء القومي والنهج الإقتصادي كفكر وإيمان ، فالأحزاب العلمانية الشمولية يجب أن تطرح فكرة حكم الحزب الواحد جانبا .

لا بد في هذا المجال من تحديد حدود العمل الاصلاحي ، فما زلنا حتى الآن على خلاف على " من نحن ؟ " وعلى الهوية . فلننطلق مبدئيا من الهوية الثابتة حاليا وهي هوية الانتماء والمواطنية للجمهورية العربية السورية كمجتمع كامل متكامل بصرف النظر عن الأسباب المؤدية لنشوء هذا المجمتع ، أنه موجود وواضح ومعترف عليه من الجميع ، لسنا أقل تكاملا من اللوكسمبورغ ، التي تكاملت مع مجموعة دول البينيلوكس أولا ولاحقا مع مجموعة الدول الأوربية مع المحافظة على استقلالها . ولنترك تحديد الهويات الوحدوية الأكبر لفطرة الأمور وللمسقبل والذي سيتحدد تلقائيا بالاعتماد على المصلحة أولا وعلى حرية الإختيار ثانيا والعواطف والأحلام لاحقا .

( لقد استطاعت دول أوروبا الغربية الليبرالية أن تحقق الوحدة والتكامل الاقتصادي والسياسي ، انطلاقا من المصلحة ومن حرية التواصل والتفاعل والإختيار ، على عكس دول أوروبا الشرقية الاشتراكية والتي كانت الأممية ووحدة البروليتاريا من أساس عقائدها وأحلامها ولكنها كانت مفروضة على شعوبها . لا بل لا بد من القول أنها تفتت بعد انهيار النظام )

خلال سنوات الحكم الطويلة ، سيطر الحزب الحاكم على كل مؤسسات الدولة حتى انه تماهى معها ، وكل تغيير فجائي يحمل في طياته تهديدا بفراغ في السلطة مع ما يتبع ذلك من فوضى ودمار كما حصل في العراق.

وقد ثبت أنه مهما تعاظمت قوة الحاكم الراغب في التغيير فهو بحاجة للدعم الداخلي والإقليمي والدولي المتبادل لتحقيقه ولا بد من تربية جيل جديد يؤمن بالمشاركة والتعددية والحوار ويبدأ حتى من المدرسة أولا حيث توضع المناهج والطرق التعليمية التي تشجع على الحوار وعلى قبول الرأي الآخر . لذلك كل من يفكر بالتغيير المفاجئ، يهدد البلد بالدمار على شاكلة الجزائر والعراق . وهنا أرى أن إتباع المرحلية في التطبيق أسلم وأقل دمارا ودماء.

وكآلية عمل أقترح ما يلي انطلاقا من مبادئ الحركة التصحيحية للرئيس حافظ الأسد :

يقوم مجلس الشعب ( قد يفيد لجنة مشتركة من مجلس الشعب وباقي القطاعات الفكرية ) بدورته التشريعية الحالية بوضع دستور يتوافق مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ويحوي نصوصا واضحة، تمنع من أية إمكانية للانقلاب عليها أو تأويلها لصالح فئة من الفئات .ويتضمن التعديل الدستوري الآتي :

•يحدد مجلس الشعب شكل الحكم ولكن مهما كان شكل الحكم لا بد له من أن يكون مضبوطا بدستور يضمن المساواة في الحقوق لكل المواطنين .( يجب مناقشة شكل الحكم بدون عقد : رئاسي ، برلماني ،فيدرالي ، مدة الرئاسة وتكراراها..... )

•جميع المواطنين السوريين ، أي كل من يحمل الجنسية العربية السورية ، متساوون في كافة الحقوق والواجبات دون أي تمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر دون أية تفرقة بين الرجال والنساء .( المادة الثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ) وبذلك يمكن من حيث المبدأ لكافة المواطنين ولكافة الجماعات في المجتمع من الوصول لأية سلطة أو منصب في الدولة من الناحية الدستورية .

•يتم انتخاب أعضاء السلطة التشريعية من أحزاب وأفراد لهم جميعا كل الحقوق على قدم المساواة ووفقا لقانون أحزاب ، لا يسمح لأي حزب المشاركة في الانتخابات ، إلا إذا أعلن هذا الحزب ومن حيث المبدأ والعقيدة أنه يحترم المساواة في الحقوق الدستورية لكل المواطنين ولا يوجد في عقائده ما يمكن أن يشير إلى إلغاء الآخر أو أي تحديد في حقوقه(الإعلان المتعلق بحق ومسؤولية اﻷفراد والجماعات وهيئات المجتمع في تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية المعترف بها عالميا).

•تستثنى الدورة التشريعية التالية لمجلس الشعب ولدورة واحدة فقط من البند السابق الذكر أي من بند المساواة بين الأحزاب ، بحيث يتم انتخاب نصف مجلس الشعب من مرشحين يقترحهم حزب البعث وأحزاب الجبهة التقدمية والنصف الآخر من الأحزاب الأخرى بناء على انتخابات حرة داخل الحزب وخارجه . ليصار بعد هذه الدورة الاستثنائية إلى تكليف حزب الأغلبية النيابية بتشكيل الحكومة وذلك بناء على نتائج انتخابات حرة.

•يقوم مجلس الشعب في هذه الدورة الاستثنائية بانتخاب رأسا للسلطة التنفيذية بناء على اقتراح القيادة القطرية لحزب البعث ، كما ورد في الدستور الحالي ، والذي يقوم بتشكيل حكومة وحدة وطنية تقوم بالانتقال بالدولة إلى الديمقراطية الكاملة بدون أي تحديد إلا ما يضمن المساواة في الحقوق والواجبات بين كل المواطنين السوريين انطلاقا من شرعة حقوق الإنسان ، ليصبح بعد ذلك حرا .

•لا يمكن تعديل أي بند من البنود السابقة ، بأي شكل من الأشكال ,ومهما كانت الأغلبية في مجلس الشعب (المادة الثلاثون من الشرعة العالمية لحقوق الإنسان).

•تجري مناقشة تفاصيل المواد الدستورية الأخرى بما يضمن تحقيق هذه الأساسيات وبما يتناسب مع الشرعة العالمية لحقوق الإنسان.

على كافة المواطنين الاقتناع، طالما أنهم يتشاركون، شاءوا ذلك أم أبوا بهوية واحدة، التشارك بكافة الحقوق الدستورية وعلى قدم المواساة . وعلى الدولة التي أعطت هويتها وجنسيتها لمواطن ما ، إعطاؤه كافة الحقوق الدستورية مهما كان انتماؤه العرقي أو الديني أو المذهبي أو الحزبي بدون أي تفريق بين الرجال والنساء ، أما في حال عدم إعطاء هذه الدول لحامل جنسيتها كافة الحقوق وعلى قدم المساواة فعليها أن تطلب منه المغادرة وتبحث له عن وطن وهوية أخرى يسمح له فيها بأكثر من حرية الأكل والشرب والنوم والنكاح وكل الوظائف الحيوانية ليستطيع معها ممارسة وظائفه كإنسان وعلى رأسها حرية الرأي والفكر والإيمان والعمل .

لقد أصبح التغيير شيئا لا بد منه ولكن حبذا لو استطعنا أن نقوم بما يجب أن نقوم به دون دمار ودماء ، حبذا لو نقول كفى وعفا الله عما مضى فكلنا كنا يوما مخطئين ولنبدأ من جديد . حبذا لو نقرأ تاريخنا وتاريخ الأمم للاستفادة من عبره ، وليس لأخذ الثأر. وحبذا لو أن هذا التغيير الذي لا مفر منه يكون مطلبا دوليا عن طريق تعديل ميثاق الأمم باتجاه أوضح لحماية حقوق الإنسان ، حبذا لو أن الدول التي تدعي حماية حقوق الإنسان عدم تقديم الدعم لأحزاب و مجموعات معارضة إذا لم تحترم هذه الأحزاب والجماعات حقوق الإنسان من حيث المبدأ. وبذلك يقدم المجتمع الدولي والأمم المتحدة الدعم والحماية للدول التي ترغب في الإصلاح من تطرف الداخل ومصالح الخارج.

لسنا بحاجة لأية حماية ودعم خارجي إذا تأسست لدينا الإرادة بالتغيير أولا إرادة السلطة بإجراء التغيير ومساندة الشعب لهذه الإرادة وإذا تحلينا بالعقلانية في طرق التغيير وإذا ارتقينا بمفهوم المعارضة من مفهوم العداء إلى مفهوم اختلاف الرأي والمنافسة لتحقيق الأفضل للمجتمع .

مما لا شك فيه ، أن التطبيق سيكون صعبا .

لا أعلم إلى أي حد تقترب هذه الأفكار من الواقع وإلى أي حد هي ضرب من الخيال ولكن دعونا نحلم . إن ما يدور في العالم وخاصة في الشرق الأوسط من دمار وما يسيل من دماء ، يفرض البحث عن حلول مهما كان إنجازها صعبا ومحبطا . ولا يسعني سوى الترديد مع الدكتور هشام شرابي:

تشاؤم العقل ، تفاؤل الإرادة