الكاتب : مازن بلال

ليست مسألة الحوار الوطني جديدة على الخطاب السياسي السوري، فهي استعملت سابقا وبكثرة في عام 2001، لكنها على ما يبدو لم تكن تحمل نفس المضامين الموجودة اليوم، لكنها في الإجمال عبرت خلال السنوات العشر الماضية عن أزمة في الحياة السياسية السورية، وهي مسألة أيضا لم تحمل اتفاقا في مهامها وحتى أهدافها، ففي المرحلة التي تلت تولي الرئيس بشار الأسد لمهامه الدستورية كرئيس للجمهورية كان يقصد منها محاولة تأسيس شرعية جديدة وليس فقط مجرد إطلاق الحياة السياسية، لذلك فهي استخدمت بكثرة من المعارضة في الخارج التي أرادت في مرحلة انتقال السلطة تحديدا البحث لنفسها عن موقع.

لكن هذا الحوار عاد مجددا إلى السطح بعد غزو العراق، معبرا عن الخطر الذي داهم سورية، وشكل مرحلة ضغط قاسية عليها بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، وكان النظر إلى الحوار في المرحلتين السابقتين على أنه "حوار مصالحة" يمكن أن يتيح المشاركة السياسية، لكنه في المقابل لم يقدم تصورا كاملا ونهائيا حول رؤيته ومهامه وأهدافه، في وقت كانت الدولة لا ترى ضرورة في قيام مثل هذا الحوار، ليس بسبب عدم ضرورة الحوار لكنها كانت تجد أنها تقوم به بشكل أو بآخر عبر المؤسسات القائمة ومن خلال عملية الإصلاح التي أمنت وفق رأيها تبدلا نوعيا في الحياة السورية.

اليوم يبدو الحوار الوطني في صورة مختلفة، فهناك توافق على ضرورته وطرحت السلطة السياسية هذا الموضوع بوضوح من خلال التصريحات الرسمية، لكنه في المقابل يظهر على خلفية ثلاث أمور:

•- الأول أن الدولة تنظر إليه لتعميق الإصلاحات التي قدمتها، ولضمان نجاح الإجراءات القادمة مثل قانون الأحزاب على سبيل المثال، فهو حل أساسي بالنسبة لها بعد الاحتجاجات مهما كان نوعها التي بدأت قبل شهرين، لكن "الطيف المعارض" ربما لا يرى الأمر مقتصرا على هذا الأمر، ورغم أن الطرفين (المعارضة والسلطة السياسية) يريدان تنشيط الحياة السياسية من خلال هذا الحوار، لكن نوع التنشيط مختلف، حيث تبدو المعارضة وكأنها تبحث عن حالة تأسيسية جديدة لم تتطرق إليها السلطة السياسية في حديثها عن هذا الحوار.

•- الثاني نوعية الأزمة التي يمكن أن يساعد الحوار على حلها، فبالنسبة للدولة هي لا تسعى إلى كبح الاحتجاج من خلال الحوار، بل تريد وضع الطيف السياسي أمام مسؤولياته وبالتالي يصبح الاجتجاج ضمن مؤسسات أو أحزاب واضحة، تمنع الاختراق الذي تراه الدولة حاصلا اليوم في الاحتجاجات الحالية من خلال العصيان المسلح والعنف، لكن الطيف المعارض لا يملك نفس الرؤية، وهو يملك إن صح التعبير أكثر من وجهة نظر، بعضها يتفق في مسألة الفتنة مع الدولة وبعضها يفترق، لكنه في النهاية يريد من الحوار تحقيق حزمة مطالبه دفعة واحدة، أي إيجاد نقطة انطلاق سياسي مستقلة كليا عن مرحلة ما قبل الحوار، فمن إلغاء المادة الثامنة بالدستور إلى مطالب يطرحها البعض مرتبطة بحل حزب البعث وبعودة قيادات الإخوان المسلمين في الخارج.

فالطيف المعارض لا ينظر إلى الأزمة إلا من خلال التحول الجذري وذلك بغض النظر عن ظروف الأزمة الحالية.

•- الثالث الآليات التي تضمن نجاح الحوار، وهو موضوع إشكالي بين الطيف المعارض نفسه، فالبعض يتحدث من خلال شبكات التواصل الاجتماعي عن شروط متعلقة بسحب قوى الأمن والجيش من "المدن المحاصرة"، كشرط مسبق لكن هذه الحالة المتطرفة إن صح التعبير تحمل معها من جانب الدولة مساحة أخرى ترى أن العملية الأمنية الحالية لا علاقة لها سوى بـ"العصيان المسلح" وبوجود مجموعات مسلحة. أسئلة الحوار الوطني لم تطرح حتى اللحظة، فنحن أمام جدل ربما لا يحمل معه بوادر لمثل هذه اللحظة المهمة، على الأخص ان الإعلام يُضيء على كل شيء باستثناء المسائل المتعلقة به، علما أن تعامل الإعلام معه ربما سيشكل خطوة ديمقراطية متقدمة تدفع به إلى منطقة الفاعلية بدلا من الطريقة التي يتم فيها استخدامه اليوم كعنوان للجدل أو لأزمة سياسية قادمة.