الكاتب : حسان عبه جي

فوز حزب العدالة والتنمية حمل إيقاعا مختلفا في ظل الأزمة في سورية، على الأخص أن أردوغان كرر أسماء العواصم والمدن التي كانت في زمن الأمبرطورية العثمانية جزءا من السلطنة، وبالتأكيد لم ينس دمشق وبيروت، وذلك بعد يومين من التصريحات التي اتهمت دمشق "بارتكاب فظائع" وأكدت بأن تركيا مستعدة لكافة السيناريوهات بما فيها العسكري.

ميدانيا فإن الجيش أعاد بسط نفوذه في جسر الشغور ومحيطها، وبحضور عدد من وسائل الإعلام العربية والأجنبية كشف الجيش عن بعض المجازر التي ارتكبت كما أتاح لها طرح الأسئلة على أحد الموقوفين، لكن بعض المصادر تحدثت عن أن معظم المسلحين انسحبوا فور وصول الجيش باتجاه جبل الزاوية و معرة النعمان، فيما نقلت صحيفة الوطن السورية أن بعضهم هرب باتجاه الحدود التركية، وكانت المصادر الرسمية تحدثت عن أن العملية العسكرية كانت "تكتيكية دقيقة" في إشارة لمحاولة تجنب الخسائر من المدنيين والعسكريين، والمحافظة على الممتلكات التي تعرضت أصلا لعمليات تخريب خلال أحداث الأسبوع الماضي.

وحسب بعض المصادر فإن انشغال السياسيين الأتراك بالانتخابات البرلمانية، إلا أن ما يحدث في الشمال السوري لم يغب عن توجهاتهم، فالتداولات داخل مجلس الأمن بشأن "قرار يدين قمع السلطات السورية" شارك فيها الأتراك، بينما ظهر بوضوح أن التوجه التركي سيسعى خلال الأيام القادمة للتصعيد السياسي، ووفق السيناريوهات المتوفرة فإن تركية تبقى الدولة الأكثر ترجيحا للعب دور داخل الأزمة السورية فيما لو اتفق مجلس الأمن على ذلك، لكن أنقرة في نفس الوقت تتسرع باتجاه آخر يتضح عبر أمرين:

الأول هو مسألة اللاجئين الذي بلغ حسب المصادر الرسمية التركية قرابة الخمسة آلاف، وهي ترى أن أي زيادة تحتاج لمساعدة المنظمات الدولية، ورغم أن حقيقية مسألة اللاجئين ربما تحتاج لنوع من التدقيق لأن مقاربة الأرقام لا توحي بأن المسألة "لجوء جماعي خوفا من القتل"، فنسية اللاجئين إن صحت لا تقارن بحجم سكان جسر الشغور الذين غادروها نحو داخل السوري، لكن "المسألة الإنسانية" هي العامل المرشح اليوم للتعامل معه بشكل قوى داخل احتمالات الدور التركي.

الثاني نوعية الآلية السياسية التركية التي يتم تسريبها للصحافة، فهي تبدأ بالنصائح وتنتهي بتفاصيل توحي بنوع من التناغم مع الروايات التي تم تناقلها بشأن "أسماء شخصيات" بعضها طالتها العقوبات الأوروبية، فالحديث التركي عن النصائح ليس تنسيقا سياسيا أو مساعدة بقدر كونه "مجموعة إجراءات" تشبه إلى حد بعيد ما تم طرحه على القيادة السورية في 2004 والمرتبطة "بتغيير سلوك النظام"، فالقيادات التركية كانت تتبرع بتقديم النصائح والتصريحات بشكل متزامن، وهو أمر يعبر عن رؤية مسبقة تجاه المستقبل السوري وذلك بغض النظر عن طبيعة الحركة الداخلية السورية.

بالتأكيد فإن فوز العدالة والتنمية من جديد لن يفيد كثيرا في تعديل العلاقة القائمة، لكن تصريحات أردوغان التي اعادت رسم الخارطة العثمانية من خلال اعتباره أن ما جرى سيحمل فرحا لدمشق وبيروت والقدس وسيرايفو، وهي الخطوط الاستراتيجية التي تم الصراع عليها بقوة طوال القرن التاسع عشر وبداية العشرين، وهو أمر يدفع إلى البحث من جديد عن "العمق الاستراتيجي لتركية مع "انزياح العلمانية" نحو تشكيل ديني يتوافق بشكل ملحوظ مع ثقافة تراثية كنا نعتقد انها ولت.