الكاتب : محمود عنبر

لقد شكلت الأحداث الأخيرة في جسر الشغور نقطة تحول مفصلية في الأحداث التي تمر بها سورية، وقد أكدت الانعطافة التي حصلت في الموقف التركي، والتسارع في نقل الملف النووي السوري إلى مجس الأمن وجود اتجاه من قبل الدول العظمى للركوب على ظهر الحركة الاحتجاجية المحقة في سورية، والتي لم تتم معالجتها بالشكل المناسب. وفي هذا السياق نعود للتذكير بماطرحناه في مقالتنا ( سورية تدخل مرحلة الحرب النفسية)،حيث بيننا ضرورة التمييز بين الاحتجاجات المطلبية والسياسية الداخلية، وبين البعد الخارجي للأزمة، وقد وضعنا تصوراً لكيفية الفرز بين أصحاب المشروعين في مجموعة من المقالات التالية، ولكننا الآن نقول للأسف أن سورية قد وقعت في المطب ولم تتمكن من تحقيق عملية الفرز، ولم تكن إدارة الأزمة بالكفاءة المطلوبة، وهكذا حصل مانبهنا منه مراراً من أن فشلنا في التعاطي الإيجابي مع المطالب المحقة، سيشرع الأبواب أمام التدخل الخارجي،وللأسف فإن هذا مايبدو أنه يحصل.

مرحلة تغيير السياسات:

رغم صعوبة ودقة ماحصل حتى الأن، ورغم شعورنا أن الوطن بأكمله بات مهدداً، فإن هذا لايمنع من إمكانية إعادة تقييم للموقف واتخاذ الخطوات المناسبة التي تحمي التهديد عن الوطن، ويجب أن يكون واضحاً أن المطلوب هو إحداث تغيير في السياسات، فالسياسات السابقة التي تركز على الحل الأمني تبين عدم فعاليتها، ونبين فيما يلي مجموعة من السياسات التي نعتقد أن تبنيها قد يساهم في تحصين الوطن في وجه الهجمة التي تعرض لها، فالتهديد الخارجي خطير جداً ويمهد لتفتيت الوطن، وبالتالي ترتكز هذه السياسات على ضرورة أن يواجه مايحصل كل الشعب وليس شريحة منه.

من سيحمي الوطن؟

حتى تاريخه تشير المادة الثامنة من الدستور إلى أن حزب البعث العربي الإشتراكي هو الحزب القائد للدولة والمجتمع، وقد بيننا في مقالنا السابق ( كيف يقود الشعب عملية الإصلاح) أن الانتقال إلى التعددية الحزبية يستلزم إلغاء هذه المادة او استبدالها بأخرى تحافظ على الثوابت الوطنية، ونعتقد أن هذا الإجراء هو المدخل السليم لعملية الإصلاح السياسي، وهنا لانقلل من أهمية مسودات قوانين الأحزاب والانتخابات، ولكن التغييرات الدستورية هي التي تمهد للتغييرات القانونية وليس العكس. أما من الناحية التقنية، وبالرغم من عدم وجود مجلس شعب قادر الآن على الاجتماع وإقرار التعديل المطلوب، فمن الممكن أن يصدر القرار عن القيادة القطرية لحزب البعث أو عن الجبهة الوطنية التقدمية أو عن اللجنة المركزية، وعندها تصبح عملية التصويت على التعديلات في أول اجتماع قادم ( للمجلس الحالي في حال مدد له أو للمجلس الجديد) عملية إجرائية، بعد أن يكون القرار السياسي قد اتخذ.

معالجة المطالب الشعبية المحقة:

بعد أن يتم وضع عجلة الإصلاح السياسي على السكة بصدور القرار السابق، من المفيد أن يتم وضع الإصلاحات المطلبية في مكانها أيضاً، ونعتقد أن أهم المطالب هي تلك المرتبطة بالحالات الواسعة للاستملاك العشوائي والمجحف للأراضي في مناطق مختلفة من سورية، ورغم مايبدو من تعقيد هذا الملف، فإنه قابل للمعالجة بطريقة ترضي كافة الأطراف، ويكفي للقيام بذلك أن يتم الإقرار بالمشكلة، وأن توضع آلية معالجة تمكن المتضررين من الحصول على حقهم عبر تشكيل جمعيات أو مؤسسات تقوم بمعالجة هذه الملفات التي رميت في الأدراج لعشرات السنين، بطريقة ترضي الجميع. ومن ناحية اخرى، وفيما يتعلق بالمطالب ذات الطبيعة المحلية والمرتبطة باالسكن ولعمل والتعليم والصحة، فنعتقد أن نقطة الانطلاق تكمن في تسريع الانتخابات البلدية إذ بات واضحاً أن الإدارات البلدية الحالية لم تكن أكثر من راعية لحالات عديدة من الفساد، ولم تقم بدورها حتى في تنظيف الشوارع، وبالتالي لم يعد هناك مبرر لوجودها، أما بالنسبة لقانون الإدارة المحلية، فيبدو أنه هناك عليه العديد من الاعتراضات التي تتركز حول عدم قدرته على تحقيق مبادئ اللامركزية، وبالتالي لابد من تعديل المسودة وفقاً لهذا الاتجاه.

التعامل مع حالات التظاهر السلمي:

رغم اعتقادنا أن تحقيق النقطتين السابقتين سيؤديان إلى سحب العديد من المتظاهرين السلميين من الطرقات، إلا أنه يبقى هناك الحالات التي تمتلك خصوصية، والحالات التي تولدت نتيجة للمقاربة الخاطئة للأحداث في بدايتها، وبالتالي علينا توقع بقاء مجموعات من المتظاهرين سلمياً، وقد كان من المفترض أن يعالج قانون التظاهر هذه الحالات،ولكنه للأسف ولد ميتاً كون تعليماته التنفيذية كانت تعجيزية، ورغم ادعاء البعض أنه مشابه لقوانين الدول المتطورة، ولكنه وقع في مطب معاملة كافة التظاهرات بطريقة مشابهة، فالتعليمات التي وضعت للتظاهر تتناسب مع المظاهرات المليونية وتلك التي ستخترق مدناً بكاملها، والتي تنظمها أحزاب ضخمة وواسعة التمثيل، بينما في سورية مازالت التظاهرات في معظمها تتركز في الأحياء وتحمل طابعاً محدوداً في العدد والتنظيم، وبالتالي نعتقد أنه لابد من إصدار تعليمات تسمح بتظاهرات ضمن الأحياء بدون ترخيص مسبق، ولكن بمجرد إعلام المختار قبل 24 ساعة من التظاهر، ويقع على عاتق المختار إبلاغ الجهات المعنية بالتظاهرة وتسليم مقدم البلاغ نسخة عن تعليمات التظاهر التي تبين ضرورة عدم الجري السريع وعدم الدخول في الأسواق وعدم الاقتراب من المباني الحكومية (لمسافة محددة)، وعدم مغادرة الحي، وغير ذلك من التعليمات التي تساعد في خلق تفاهم حول آليات التظاهر، وربما من المفيد الطلب من منظمي التظاهر تشكيل لجان انضباط بمعدل شخص لكل 50 مشارك، وغير ذلك من النقاط التي تمكن من حماية المتظاهرين.

المقاربة الإعلامية:

رغم علمنا بضعف الإعلام السوري، إلا أنه من المفيد التوقف عن حالات التهييج التي يتبعها الإعلام السوري، والتي من الواضح أنها ناجمة عن ضعف في فهم التركيبة الاجتماعية في سورية، والتطور الفكري في المجتمع السوري، فإن افترضنا أن الإعلام المغرض يحرض على الفتنة، فإن قيام وسائل الإعلام السورية ( وبعض مواقع الشبكات الاجتماعية المنشأة مؤخراً)، بتبني موقع رد الفعل يعني أنها تساهم دون أن تدري في مخطط الفتنة، ويجب على وسائل الإعلام أن تتسم بالعقلانية والموضوعية، وأن تركز على مايجمع الناس لا على مايفرقهم.

موقف رجال الدين:

لم يعد خافياً على أحد وجود مواقف متباينة لرجال الدين في سورية، ومعظم هذه المواقف نجم عن ضعف في التواصل من جهة، ولتصرفات خاطئة على الأرض من جهة أخرى، ونعتقد بأن القيام بالخطوات السابقة يمكنه أن يمهد لموقف موحد لشرائح واسعة من رجال الدين لما يجري يمما ساهم في سحب فتيل الأزمة.

مواجهة المخطط الخارجي:

إن تحقيق النقاط السابقة، بالإضافة للمسارات الإصلاحية التي بدأنا نسمع بها، ستضع الشعب كاملاً في مواجهة المخطط الخارجي، ونعتقد أن هذا سيعني فشلاً كاملاً للمخطط الخارجي مهما صدرت قرارات عن مجلس الأمن ، فالشعوب لايمكن قهرها، وفي حال دولة ممانعة مثل سورية، فإن قدرة الدولة مع الشعب على مواجهة المخططات الخارجية غير محدودة، وبمجرد أن تتم الاستجابة للمطلب المحقة، فإننا نعتقد أن المخطط الخارجي سيسقط فوراً، كونه سيبقى بدون حامل محلي. أما المجموعات المسلحة، فنعتقد أنها ستصبح معزولة، ولن تشكل تغييراً يذكر في المعادلة، وذلك مهما بلغت قدراتها التسليحية.