الكاتب : سها مصطفى

بسرعة سيطلق بسام القاضي نفيا لمختلف النخب والمثقفين في سوريا، شخصيا رغم أني لا أختلف معه على النقطة الأخيرة، إلا أنني سأمارس عليه الاصطلاح ذاته بنفيه من تلك الدائرة السحرية التي تلقب نفسها بالـ’نخب’! لنقل أننا لسنا نخبا وأننا كلنا بعيدين عن حالة الشوفينية التي نستقيها من الآخر لنصمه بها، لكننا بشكل أو بآخر سنتفق على أننا جميعا تحت سقف الوطن!

في لقاءه على شام اف ام، اطلق القاضي جملة من الآراء التي تستحق الوقوف عندها، منها ما استخدمه لدك مواقع السلطة والمعارضة على حد سواء، ومنها ما وضعه نموذجا اختباريا لحدث مستقبلي يعنى بمؤسسة محددة ويصطفيها ويسقط كل ماحولها!

لكن دك مواقع السلطة والمعارضة يستدعي تساؤلا من يدك معاقل من؟ أو بهدوء أكثر من يحاسب منا، كلنا خطاؤون ومن منا بلا خطيئة فليرجمنا بحجر!

لكن ثمة أخطاء فادحة لا تحتمل صفة التأويل أو الالتباس، وهنا أستطيع أن أصنع مراتب للتمايز بين سيناريوهات السيء والأسوأ، فمساواة بسام القاضي مابين الـ’نظام’ السوري والمعارضة في مطلع الأحداث، لا تحتمل تأويلا أمام مواقف المعارضة في الخارج التي تكشفت فيما بعد عن تدخل غربي، والمساواة بينهما باتت مسألة خلط أوراق في حالة من انعدام الوزن...

بين معارضة لانعرف عنها سوى سلفيتها وتطرفها وعدم غفرانها لماض صنعت مجازره، وتجتاحها اليوم شهوة الدم والانتقام بحثا عن المزيد من الدم، وبين دولة لنقل أننا جميعا نتفق على سياستها الخارجية ونختلف على الداخلية منها، دولة سورية شاركنا معها باحتضان اللبنانيين في عدوان تموز ووقفنا معها في العدوان على غزة على دم أشقائنا الفلسطينين، لكن مع دعوات القاضي التكفيرية لمايصفه بالـ’نظام’ والمعارضة على حد سواء، القاضي يجعل من الدولة هذه في موقع المعارضة التي لم تمانع الخروج على القنوات الإسرائيلية، وكأننا علينا القبول بالمعارضة بعجرها وبجرها بطريقة أو بأخرى!

المساواة هنا غير جائزة وهي مدخل لإسقاط الطرفين بضربهما ببعضهما والإبقاء على نصب القاضي كحل وسطي وخيار وحيد متبقي يمهد لمشروع سلطة، ولايعيب أن يكون لدى أحد مشروع سلطة بالنظر لكونها مدخل للتغيير، لكن الأهم التمييز كمدخل بين العواقب وعدم الاستسهال على ذاكرة سورية تتقن التمييز بين مواقف الدولة والمعارضة...

ذاكرة سورية لم تنسى مجازر الأزبكية والمدفعية ومجزرة استدعت تدخلا عسكريا في حماة في ثمانينات القرن الماضي، وواقع سوري لا يمكن النأي فيه عن ’نظرية’ المؤامرة، فليس عبثا تحويل ملف سوريا ’النووي’ الى مجلس الأمن مع تدخل الجيش السوري لإنهاء المجازر في جسر الشغور، وليس عبثا أن تعلن ميشيل فلوريني أنه ’في حال ابتعدت دمشق عن إيران وحماس تنتهي الاحتجاجات داخل سوريا’، وليس عبثا ماجرى في جسر الشغور بخاصة بعد مؤتمر انطاليا.

أيضا لا يمكن القبول بنظرية القاضي عن الفصل بين الجيش والأمن السوري بكل ماتحمله كل مؤسسة منهما من رمزية ودلالة لدى السوريين، والمؤسسة الأمنية وإن أخطأت في بعض مفاصلها إلا أنها بالنتيجة ستتعرض لظلم فادح عندما نكتفي بإسقاط مختلف الأخطاء على مؤسسة أمنية، مايجعلنا نسخة عن المعارضة التي تعاطت وفق عقلية الانتقام من الماضي وقفزت فوق جثث عناصر الأمن العسكري الـ 120 الذين قتلوا في جسر الشغور وقبلهم الكثير في مختلف المحافظات..

وفق نفس الرؤية الحدية، سيسوق القاضي تكفيرا آخر يساوي بين الجزيرة فضائية الدنيا، فضائية مثلا’بالنسبة لي’ تعني الكثير بتصديها على صغر امكانياتها في وجه الجزيرة بما تمثله من أسطول إعلامي ’مهني لفترة خلت’، هذه المساواة مابين الدنيا والجزيرة والـ’نظام’ و’المعارضة’ وجدار الفصل العنصري ما بين الجيش والأمن لايخدم الوطن في الوقت الحالي ويجعل كما يقول ميشيل سماحة ’الواضحات تغيب عن الذهن’!

وبالنتيجة المداخل الأخيرة تودي لنتيجة واحدة نسف كل ماهو موجود، وهذه ليست عقلية ثقافة فالنفي هو رديف التكفير...وفي هذا نحن لا نتحاور وانما نقدم شهادات تشريف وتخوين ونفي وتكفير وهي كلها وجه لعملة واحدة تكريس الذات وتلميعها...ومع ذلك هو أمر مقبول ومتوقع، ولكن على ألا يتحول الحوار مع الآخر إلى مجرد جبهات تتصادم فيها الآراء المقدسة بلا نقاش أو حوار جدي متبادل، فالحرية التي لايطالب القاضي بتعريف لها... لطالما اقترنت بالمسؤولية ولم تكن مجردة أو مطلقة وهي نقطة رئيسة تستحق التعريف والوقوف عندها وليس التهميش...