الكاتب : محمود عنبر

هل الحوار الوطني المقترح ترف فكري؟ أم ضرورة وطنية ستؤدي لرسم مشروع سورية الحديثة؟ وماهي الأرضية التي سينطلق منها الحوار؟ ومن هي الأطراف المتحاورة؟ ومالذي سيجلبه كل فريق إلى الطاولة؟ ماهو مناخ الحوار؟

نعتقد أن واحدة من أهم المقومات التي ستسمح بنجاح الحوار هو تهيئة المناخ المناسب للحوار، وهذا يتطلب أن يتحمل كل من الأطراف المختلفة لمسؤولياته، وأن لايكون الحوار مكاناً لتبادل الاتهامات، وبالتالي نفقد الفرصة التاريخية، ولهذا لابد من أن يسبق الحوار نوع من المصارحة ينجم عنها إقرار ببعض الأسس التي تخلق مناخاً إيجابياً للحوار، وسنحاول فيما يلي تحديد أطراف الحوار الرئيسة، وما نعتقد أنه مطلوب من كل منهم.

1-

السلطة:

السلطة هي اللاعب الرئيس في الحوار، وتتحمل المسؤولية الأكبر عن نجاح أو فشل الحوار، ولذلك يجب أن يكون هناك نوع من المصارحة حول الأخطاء التي ارتكبت خلال السنوات الماضية، ونقصد بذلك السنوات العشر الماضية، فرغم محاولة البعض الحديث عن أن السلطة مستمرة منذ أربعين عاما، إلا أننا نعتقد أنه قد كانت هناك محاولات إصلاحية جدية في السنوات العشر الماضية، لكنها لم تكلل بالنجاح، وهنا لابد للسلطة من أن تقر بالأخطاء التي ارتكبت في تلك الفترة، ومن أهمها طريقة التعامل مع ربيع دمشق، والذي وإن كان تبين أن ما فعلته السلطة قد تم بسبب علمها بما يرتب للوطن من البوابة اللبنانية، ولكننا نعتقد أنه كان من الممكن أن يكون هناك بعض الشفافية في التعامل مع هذا الأمر، وبالتالي كسب المعارضة في صف السلطة في التهديدات الوطنية، وهذا الأمر يحصل في كل دول العالم. النقطة الأخرى ترتبط بعدم متابعة العملية الإصلاحية بعد عام 2006، وهدر أربعة سنوات كانت كفيلة بوضعنا في موقع آخر، وعندما نتحدث عن عدم متابعة العملية الإصلاحية لانعني أنه لم يكن هناك خطوات إصلاحية، ولكن في تلك الفترة، سمح للقوى الممانعة للإصلاح بالقيام بالانقضاض على العملية الإصلاحية، وبالتالي كانت المحصلة عكس مايريده الفريق الإصلاحي، وقد ترافق ذلك مع تشديد على عمل الصحافة وإغراق الصحافة الإلكترونية، وتقييد لاستخدام الشبكات الاجتماعية، وعبث في التعامل مع بعض القضايا الاجتماعية والفكرية، مما أضغف من مناعة سورية في مواجهة ماحصل.

2-

المعارضة السياسية

نقصد بهذا البند النخب السياسية المعارضة الموجودة داخل القطر وخارجه، والتي رغم أنها لاتمتلك قواعد تنظيمية واسعة، إلا أن أفكارها تلقى صدى من قبل شريحة واسعة من السوريين، ومواقفها كانت تلقى الاحترام من قبل شرائح شعبية، وربما يجب التوضيح أنه لا يمكننا تحميل المعارضة مسؤولية عن ما حصل في عام 2005، كونها لم يكن لديها المعلومات التي كانت بحوزة السلطة، وكونها معارضة فكرية أكثر منها معارضة سياسية منظمة، وبالتالي فأفرادها يتخذون مواقف فردية (من وجهة نظرهم)، بينما تنظر السلطة لمواقفهم وكـأنها مواقف حزبية، ونعتقد أن هذه الإشكالية هي سبب ما حصل لربيع دمشق، والتي يجب أن يتم العمل على تلافيها في المستقبل. إلا أن جزءاً من هذه المعارضة، لم يتمكن من التفاعل مع الأحداث الأخيرة بالشكل المطلوب، وبالتالي لم يكتف بمجرد اتخاذ مواقف ضد السلطة، إلا أنه سكت عن الأفعال التي ارتكبتها بعض الجماعات المسلحة، وساهم في نفي حدوثها عبر وسائل الإعلام الدولية، وبشكل خاص ردة فعل هذه الشريحة اتجاه أحداث جسر الشغور التي كانت غير قابلة للتأويل والتفسير، ونعتقد أن المعارضة قد خسرت من رصيدها عندما صمتت ولم تستنكر ماحدث، هذا إن لم نتحدث عن صمتها عن بعض الدعوات التخريبية مثل الدعوة لعدم دفع فواتير الكهرباء (رغم أن الكهرباء لاتعتبر مصدر دخل للخزينة بل مصدر عجز)، والدعوة لشل الاقتصاد السوري وسحب الليرة السورية من البنوك، وغير ذلك من الدعوات التي تحاول الانتقال بسورية إلى مرحلة الفوضى، والتي كنا نتوقع من المعارضة أن تقف ضدها.

3-

التنسيقيات السلمية:

يستخدم هذا المصطلح للإشارة للمجموعات التي تنظم الأعمال الميدانية ( التظاهرات)، والتي تقوم بالنشاط الإعلامي، والناشطين في مجال حقوق الإنسان، ونعتقد أن معظم هؤلاء هم بالفعل ناشطين سلميين، وغير مرتبطين بالجماعات المسلحة التي تمتلك تنظيماً مستقلاً( حسب اعتقادنا)، هذه المجموعات رغم أنها تمتلك خطاباً إعلامياً استفزازياً، وتمتلك رؤية وحيدة الاتجاه للأمور، إلا أننا يجب أن نتفهم ذلك، فمعظم المنضمين لهذه الشرائح هم إما سوريون مبعدون عن وطنهم لأسباب لاعلاقة لهم بها، أو سوريون متضررون من السياسات الحكومية، وبالتالي هم يحاولون القيام بحركة احتجاجية، وربما تعاني هذه المجموعات من أنها لاتطرح مواقف سياسية واضحة، فما تضعه من شروط يقارب ما تم وضعه في مصر وتونس وليبيا واليمن، وبالتالي يبدو أنهم متأثرون سياسياً بما حدث في هذه الدول، أكثر من كونهم يعملون على بلورة برنامج سياسي مناسب لسورية، ونعتقد أن الشروط التي وضعتها هذه الشريحة للدخول في الحوار غير واقعية، وربما كان وضع هذه المجموعات في سورية الآن مشابه لوضعها في مصر، فهي قادرة على تحريك الشارع، لكنها حتى الآن لم تتمكن من بلورة برنامج سياسي.

4-

قوى المجتمع:

وتمثل هذه الشريحة كل من لا يمكن تصنيفه ضمن الشرائح السابقة، ونعتقد أن هذه الشريحة هي العنصر الحاسم في تقرير مستقبل سورية، فهذه الشريحة قد كان بعض أفرادها وقوداً للتظاهرات، كما أنها كانت ضحية للسياسات الحكومية الخاطئة، وهي المستهدفة في الضخ الإعلامي من قبل الطرفين، ونعتقد أن مستقبل سورية سيحدده من سيكسب هذه الشريحة، ولهذا نعتقد أن نجاح أو فشل الحوار تقرره هذه الشريحة، وسنشهد خلال الشهر القادم جهوداً مبذولة من قبل كل طرف لاستمالة هذه الشريحة (وهي الأغلبية التي صمت معظمها حتى الآن)، وهنا ربما من المفيد التذكير بأن واحدة من أسباب تعثر البرنامج الإصلاحي كانت في غياب الحامل الشعبي، ولهذا فهذه الشريحة هي التي يفترض أن تكون الداعم والضامن لأي إصلاح يتم الاتفاق عليه، ونعتقد أن هذه الشريحة سيتحدد موقفها من خلال طريقة تعامل كل طرف مع اهتماماتها، ففتح الباب أمام تشكيل الأحزاب السياسية كاملة الصلاحيات، والسماح غير المشروط بتشكيل مؤسسات للمجتمع المدني، وتحرير الصحافة من قيودها، وتحرير الاقتصاد من الفساد والبيروقراطية الإدارية وغيرها من الإجراءات يكفل بأن هذه الشريحة ستخرج عن صمتها، وتتحول إلى لاعب رئيس في العملية السياسية التي يتوقع أن تنطلق قريباً.

وختاماً ربما علينا الإشارة إلى أن فرص نجاح الحوار ليست مضمونة، ويجب على كل طرف بذل ما يستطيع لإنجاح الحوار، عبر الاعتراف بأخطائه، ومحاولة التعامل إيجابياً مع الفرصة السانحة، فبديل الحوار هو الفوضى، ولا نعتقد أن الفوضى في مصلحة أحد.