الكاتب : سها مصطفى

لم تكتمل دائرة العلاقات السورية القطرية طويلا، وكذلك رديفتها التركية، صعود العلاقة السورية مع تركيا وقطر جاء غريبا وملتبسا، ضمن دائرة عداء تاريخي يعود الى اللحظة التي هبطت فيها الطائرة محملة بالحمد في مطار تل أبيب معلنا تطبيعا مع الاحتلال الإسرائيلي علنا..

من هذا المنظور التوافق القطري التركي يبدو أوسع مما نتوقعه، ممثلا بقاعدة عيديد الامريكية الأكبر في الشرق الأوسط والقابعة في قطر، فيما تستقر وادعة على رقعة واسعة قاعدة انجرليك الامريكية في تركيا في انطاكية مستفزة عداء تاريخيا لكل ماحولها، بالنظر للتوزع الاثني والمذهبي المنتشر حول القاعدة من فئة لطالما حاول حزب العدالة والتنمية العثماني سحقها، والاستيلاء على مواقعها في الجيش التركي بذريعة مايصفه ’منظمة ارجينيكون’ التي أثيرت خلال السنوات الماضية.

من هنا كانت قطر وتركيا حصان طروادة، حصان استخدمته دمشق واستهلكته حينا وحاول استهلاكها حينا آخر.. التقارب السوري القطري جاء على خلفية الخلاف السعودي السوري إبان حقبة اغتيال الحريري، والتقارب لم يقم على قاعدة الجزيرة الفضائية فقط كبوق استخدمته دمشق أمام الحملة الإعلامية التي تعرضت لها والمقاومة اللبنانية وحماس إبان العدوان التموزي وعدوان غزة، بقدر صحة التحليل القائل بأن ’الشوام’ وبما أنهم تجار أرادوا تجيير ملفات اقليمية بسيطة الى قطر في غمز من ’الزعامة’ السعودية للعالم العربي، وعلى خط آخر جير الدمشقيون ملف السلام للوساطة التركية في غمز آخر من الهيمنة الأمريكية!

دمشق فعلت ذلك رغم معرفتها بالدور الحيوي الذي لعبته كل من قاعدتي عيديد وانجرليك في قصف العراق ومترسة الاحتلال الأمريكي في بابل، إضافة للعلاقات التركية والقطرية الإسرائيلية، قامت بذلك دمشق انطلاقا من قاعدة الضرورات تبيح المحظورات أمام سياسة العزلة والحصار الأمريكي الأوروبي وبعض ماوصف بالمعتدلين العرب تجاه أرض الشمس.

التحول القطري التركي جاء مع استحقاقات التحالف الافتراضي مع دمشق مؤذنا بحقبة جديدة، تلعب فيها قطر وأنقرة دورا يكمل مابدأته في العراق ضمن منظومة فرضية ’الدومينو’ التي نشاهد تبعاتها اليوم ولا يخرج عن سياقها، وفي هذا السياق قد يبدو مفاجئا الاكتشاف المتأخر لولي العهد القطري الذي سجله بتصريحه في إحدى المحاضرات قائلا ’الديمقراطية لا تأتي على الدبابات الأمريكية’، التصريح الأخير حمال أوجه فيمكن قراءته من قاعدة عيديد ودورها الطيب الذكر في العراق، وايضا من قطر ومن فضائية الجزيرة ممهدا لديمقراطية من نوع آخر كالتي نشهدها اليوم والموصفة بالـ’ربيع العربي’ رغم كونه أمريكي الصنع!

لكن المقصد من كل ذلك وإن اختلفت السبل هو إطلاق عصر الفوضى الخلاقة فما بدأ في العراق لن ينتهي فيه... من جهة.

من جهة أخرى، الانسحاب الأمريكي من بغداد يحتاج لحلفاء، لكن طهران ودمشق ليسا على القائمة بقدر أنقرة وقطر مع توفر سيناريوهات محتملة عن قوات دولية أو عربية أو حتى تأجيل الانسحاب وتمديده والضغط على دمشق لتحقيقه مقابل تمرير صفقات داخلية.

صفقات مرهونة بمقدرة دمشق على الاحتمال ضمن إطار سياسة عض الأصابع التي عرفتها دمشق باكرا في ثمانينات القرن الماضي مع مقدرتها على خلق بدائل تمثلت بتقارب سوري إيراني روسي، تقارب يعود اليوم مجددا ليبرهن تحت الاختبار عن مصداقيته، فيما لاتزال تتحكم دمشق بالاوراق الاقليمية وتتمكن من تدويرها مجددا على حلفاء منهم الصديق القديم ومنهم الجديد.