الكاتب : بسام نجيب

يراهن البعض على عدم إمكانية رفع مستوى الثقافة القانونية في المجتمع السوري على فرضية أن مجتمعنا بالأساس مجتمع يقوم على الفوضى وعدم الانضباط وبالتالي فان الإصلاح القضائي شبه مستحيل.

إلا أن رهان هذا البعض خاسر بالمبدأ, لان تاريخ مجتمعنا يقرؤنا غير ذلك ,وهذا ما سأبدأ به حديثي مراهنا على قدرة مجتمعنا لتجاوز كل الصعاب.

لا شك أن المؤسسة القضائية في سورية تعاني من مشكلات كبيرة تحتاج إلى حلول جذرية تعيد إليها ألقها الماضي,والماضي السحيق الممتد عبر التاريخ, لتنسجم مع نفسيتنا كسوريين، التواقة إلى النظام والتنظيم ,فالمجتمع السوري ليس فوضوياً بفطرته، بل هو بنفسيته ووجدانه،أول من بادر إلى التنظيم والعمل المنظم، وهذا ما يذكره تاريخنا الفريد, وتاريخ ثقافتنا القانونية التي تنم عن قدرة فائقة في التعامل مع القوانين و الأنظمة.

فثقافتنا القانونية العريقة نصت أول تشريع وضعي في العالم وضعه السوريون في عهد الملك حمو رابي قبل ما يزيد عن ثلاثة آلاف عام والتي سميت شريعة حمورابي التي هي أولى الشرائع الوضعية في العالم و أهمها لا بل لم تسبقها شريعة وضعية أخرى، وقد استقت الحضارات الأخرى قوانينها منها, ,مروراً بالفكر الرواقي السوري الذي كان أساس للقواعد القانونية الرومانية، انتقالا إلى مدرسة بيروت الحقوقية التي كانت الأولى في زمانها و التي اعتمدت على فقهاء سوريين أطلق عليهم فقهاء الغرب اسم "أساتذة المسكونة" و الذين كان لهم الدور الكبير والأساس لا بل هم من وضع مجموعة جوستنيان القانونية , هذه المجموعة التي استقت أوروبا كلها قوانينها منها , والتي تقوم على مبادئ العدالة و المساواة وليس على القسوة و الفظاظة و التمييز الطبقي، وهذا ما يمثل ارتقاء الإنسان السوري لبناء المجتمع المنظم ومؤسساته القانونية، وهذا ما نسعى إليه نحن الآن وبكل صدق.

وقد سميت هذه المجموعة -خطأ - الحقوق الرومانية، بينما الصواب,وعلى لسان احد فقهاء الغرب "الحقوق السورية في العهد الروماني" وحبذا أن يعطى التوجيه اللازم لجامعة دمشق، كلية الحقوق، أن تطلق هذه التسمية على مادة القانون الروماني، بدلا من الاسم الحالي ، تصحيحاً للخطأ ولإبراز أهمية دور السوريون في بناء الصرح القانوني العالمي.

ومن هذا المنطلق, منطلق العقلية السورية المنظمة لا بد من الارتقاء بالمؤسسة القضائية إلى المستوى المطلوب، وهنا لابد من تسليط الضوء على السلبيات أولاً، ثم طرح الحلول المناسبة حسبما أعتقد و أرى.

إن أهم المعوقات والعوامل التي أدت إلى تدني أداء المرفق القضائي في سورية إلى مستوى لا نحسد عليه وسبب إشكالية عدم الثقة بينه وبين المواطن وعدم الشعور بالأمان, اعتقد انه يعود إلى الأمور التالية :

أولا- الجامعة :

ويبدو أن العدد الكبير للطلاب,وكذلك تحيز البعض لطالب دون الآخر يؤثر سلبا على المستوى العلمي للطالب ما لوحظ تدني علمي واضح لدى الخريجين لأن الدراسة الجامعية لم تعد بالمستوى العالمي المطلوب.

ثانيا- انتقاء القاضي:

إن انتقاء القاضي يحكمه عدد من الاشراطات التي تعيق تعيين الشخص الجيد كقاض تتلخص بالاتي:

2-1: في أكثر الأحيان لا يكون انتقاء القاضي وفق معايير وأسس موضوعية إنما يبقى للواسطة والعلاقات الشخصية,والقرابة و...و... هامش كبير تلعب دورها في ذلك,مما يؤثر سلبا على المؤسسة القضائية وعلى العمل القضائي ويعيق تحقيق العدالة الاجتماعية .

2-2: كما انه هناك عامل آخر هو ضيق مساحة الاختيار لعدم توفر المؤهلات العلمية والشخصية ,للخريجين الجدد كما بينته في الفقرة السابقة .

2-3 : إضافة إلى موضوع الانتماء السياسي، حيث يتم التركيز على تعيين الحزبيين وعدد ضئيل من المستقلين , رغم انه يفترض في القاضي عدم الانتساب لأي حزب سياسي ,أو لأي جماعة, فالقاضي يمثل الوطن كله ,ويطبق القوانين الصادرة وفق الأصول القانونية تحت سقف المجتمع الواحد وبحيادية تامة, وهذا ما لا يمكن تحقيقه في حال انتساب القاضي لجماعة معينة أو لحزب معين ,وبالتالي ما يؤثر سلبا على حسن سير العدالة ,كما أن القبول على أساس الانتماء السياسي يجعل من بعض الأشخاص المنتقين غير مؤهلين لان يكون لهم مركز - قاض- بغض النظر عن كونهم جيدين كأشخاص أم لا، فالقاضي لا يكفي أن يكون حسن الأخلاق،وكثير من القضاة هم كذلك لكنهم فاشلون في العمل القضائي لأن شخصية القاضي ترتكز على دعائم أساسية إضافة إلى الخلق, مثل الحلم، الاستيعاب، القسوة والحكمة بآن ، الثقافة القانونية العالية....

ثالثا - تدني مستوى الثقافة القانونية :

وهذا يعود بشكل منطقي لعدم إعداد الطالب الإعداد الجيد في الجامعة ,إضافة إلى تدني الحس المسؤول لدى شريحة كبيرة في المجتمع ,مما يجعل تربية هذا الشخص قائمة على الحالة السلبية وليس الايجابية,إضافة إلى عدم سعي الدولة وأجهزتها التعليمية والإدارية لان تكون البديل عن الأسرة في احتواء شباب المجتمع والعمل على رفع سوية الثقافة القانونية لدى أبناءه,كما أن عدم المبادرة الفردية من قبل القاضي لرفع مستواه الثقافي, القانوني والعام,نتيجة هذه التربية,كل هذا يؤثر سلبا على الفهم القانوني الايجابي والتحليل القانوني الصحيح للنصوص بما ينسجم وإرادة المشرع وروحية القانون, وهذا يعود إلى تدني المستوى المعيشي للقاضي وقلة الراتب الذي يتقاضاه وهذا يعود في احد أسبابه الهامة إلى عدم توفر المراجع القانونية، وعدم استطاعة القاضي شرائها ليعتمد عليها في أحكامه، وعدم وجود مكتبة قانونية عامة تفي بالغرض .

رابعا - الحالة الاقتصادية المذرية للقاضي:

هذا ما يجعل بعض القضاة يسعى إلى الآخرين بطرق ملتوية لتحسين وضعه الاقتصادي إلى ما لهذا الأمر من نظرة استنسابية تختلف من شخص إلى آخر في مفهوم الوضع الاقتصادي؟ هذا مع الأخذ بعين الاعتبار عوامل التربية البيئية و الاجتماعية التي عاشها كل قاض على حدة بحيث تتناسب هذه العوامل مع فترة سقوط كل قاض في المعصية،وأقول البعض,لأنه لا يخلو الأمر من وجود قضاة نزيهين حتى الآن.. علما أن على القاضي التزامات اجتماعية كثيرة تشكل عبئا اقتصاديا إضافيا عليه ، كأن لا يركب بوسائل النقل العامة، وأن لا يظهر بأماكن عامة شعبية, وان يبقى بمظهر عام لبق وأنيق ....و... إلى آخر ما هنالك، وهذه أمور يتطلب تحقيقها حالة اقتصادية جيدة و هي غير متوفرة.

خامسا - تدخل عدة جهات بتعيين وشؤون القضاة:

إذ أن هيمنة السلطة التنفيذية بكافة مسمياتها على باقي السلطات في المجتمع ـ التشريعية والقضائية ـ وخاصة السلطات الأمنية والسياسية يفسح المجال لبعض أفراد هذه السلطات ممن يستغلون مناصبهم التدخل في شؤون القضاة لصالح أحد أطراف الدعوى ,نتيجة القناعة المتأصلة لدى هؤلاء أن هذه السلطات لها من القدرة ما يؤثر على مسيرة حياتهم بالكامل,فالقاضي يلبي متطلبات هؤلاء الأشخاص التي تكون على الغالب شخصية ليس إلا, إما حذرا من رأي هذه السلطة الأمنية أو انصياعا لأوامر السلطة السياسية التي هو احد أعضائها ومن واجبه ,من وجهة نظره ,أن يلبي طلباتها, أو لحاجته إلى عطيات السلطة التنفيذية, خاصة إذا كان قاض في المناطق والنواحي, لان القاضي هناك يسعى لكسب ود مدير المنطقة أو مدير الناحية ليؤمن حاجاته, وهذا ما يؤثر سلبا على صحة القرار الصادر وبالتالي على عدالة المؤسسة القضائية.

سادسا - إقناع,واقتناع القاضي أنه موظف؟:

حيث تصدر عن السلطات التنفيذية تعاميم وبلاغات,توجه إلى وزير العدل الذي يعممها بدوره على المرفق القضائي ويوجب العمل بها ,إضافة إلى التعاميم والبلاغات التي تصدر عنه ويلزم المرفق القضائي بها, واغلب الأحيان تكون هذه التعاميم والبلاغات مخالفة للنص القانوني أو معطلة أو حادة له ,وينصاع القاضي لهذه البلاغات والتعاميم, معطلا و تاركا العمل بالنص القانوني,معتبرا نفسه موظفا لدى هذه السلطة أو تلك ناسيا أن لا رقيب ولا حسيب عليه سوى وجدانه المهني وقدرته القانونية وان الدستور أعطاه الاستقلالية الكاملة في تطبيق القانون دون العودة على احد وعلى أن يكون مبدعا في نص القرارات وفق الدستور والقانون ونتيجة هذا الأمر فان تطبيق النص القانوني بالنسبة للقاضي ليس إلا إجراء روتيني أكثر منه معالجة لكل حالة خاصة على حدة , يلبي متطلبات الواقعة وظروفها , وهو بالتالي لا يحق له المبادرة في إصدار الأحكام كما يرى ومن وجهة نظره القانونية ليس إلا، ولا يرتقي بتفكيره إلى أكثر من ذلك، لاقتناعه كما بينت انه موظف,عليه أن يطبق ما يملى عليه.

سابعا- امتناع الإدارات عن تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة بحقها:

وهذا طبعا يدل دلالة واضحة على هيمنة السلطة التنفيذية على باقي السلطات في الدولة ,لكنه في الوقت ذاته يضعف الثقة لدى أفراد المجتمع بالمرفق القضائي وبأحكامه ,ويخفف وطأة المسؤولية عن القاضي بان لا يعود يشعر بقيمة قراره وأهميته ,أما الحجج التي تقدمها هذه السلطات فهي لا تمت إلى الواقع بصلة، ونفس القرار ينفذ أو لا ينفذ حسب مداخلات أو وساطات معينة,أو...أو..؟ضاربة بعرض الحائط المبادئ الدستورية التي تؤكد على وجوب تنفيذ القرار القضائي بغض النظر عن أي أمر آخر وهذا كما بينت ما يفقد الثقة بالمرجعية القضائية التي يفترض فيها أن تكون عامل اطمئنان واستقرار لأفراد المجتمع .

ثامنا - أين نقابة المحامين وفروعها والمحامون من هذا :

معروف لدى الجميع أن القضاة والمحامون يشكلان جناحي العدالة وان ضعف احدهما لا بد أن يؤثر على الآخر , وهنا لا بد أن اذكر ما يعتلي العمل النقابي من سلبيات تؤثر بشكل كبير على المرفق القضائي خاصة وعلى المجتمع عامة وتخلق ثقافة قانونية لدى الأفراد تخرب العقلية القانونية وتجعلها بعيدة عن التطبيق القانوني.

وعن دور نقابة المحامين وأفرع النقابة, فالانتخابات بداية لاتتم بطريقة ديمقراطية,وهي اقرب ما تكون إلى التعيين منها إلى الحالة الانتخابية الصحية ,مما يؤدي إلى تسلل بعض الأشخاص ليس لديهم التجربة ولا الخبرة الإدارية ولا القانونية لعمل قيادي على هذا المستوى الرفيع,وبالتالي غير مؤهلين وغير قادرين, على الارتقاء بالعمل النقابي,أو القانوني, ما ينعكس على العمل النقابي ككل ويقف عائقا لان تؤدي النقابة دورها كما هو مرسوم لها, وهذا يعود لنفس الأسباب التي ذكرتها أعلاه بالنسبة للقاضي , وعدم وجود الكوادر الكفوئة في الأفرع يجعل آلية قبول المحامون الجدد تبنى على معايير شخصية بحتة وروتينية ليس لها أي معيار قانوني أو حتى معرفي ,كما انه يؤدي إلى الغياب الكامل للفحص الحقيقي لمن أراد أن ينتقل إلى مرتبة الأستاذ في المحاماة إذ يحكم الفحص علاقة أعضاء الفرع بأستاذ المدرب وعلاقة المدرب بالفرع وعلاقته بأطياف اجتماعية معينة..، أمام هذه الحالة برزت شريحة من المحامين المبتدئين في المهنة بسلوك أسلوب السمسرة لأسباب عديدة أهمها وجود المناخ الملائم لها,وسهولة هذه الطريق عن غيرها بالنسبة للأشخاص اللذين دخلوا واجتازوا امتحان الأستذة بالسهولة التي تحدثت عنها، والأمر الآخر، خوفاً من أن يصبحوا خارج اللعبة، وبالتالي لا يستطيعون الارتزاق من أداء عملهم كمحامين فيفضلون السمسرة على العمل الحقوقي المبدع.

ونتيجة هذا الوضع، فقد وجدت طبقة اجتماعية في القصر العدلي تزرع المفهوم السلبي للمرفق القضائي,وتقلل ثقة الناس به ,وتشيع الشائعات المغرضة وغير الصحيحة في كثير من الأحيان ,ذلك لتجد لنفسها مكان , دون أن يكون لهذا المرفق يد بالأمر.

علما أن لتغييب دور المحامي المهني والتقني الحقيقي في الدعوى الدور الكبير في تردي الارتقاء القانوني لأن الدفوع و الرد عليها تحرض العقول للارتقاء.

كما أن من أهم عوامل عدم قيام النقابة بدورها تغييب السلطة التنفيذية لهذا الدور وعدم إعطائها دورها الحقيقي،خاصة فيما يتعلق بالأمور التشريعية وضرورة الأخذ برأيها ونصحها. لأنه من أهم أدوار نقابة المحامين هو العمل التشريعي والفقهي.

وأخيرا فاني أرى في هذه الأسباب وأسباب أخرى عديدة كلها أدت إلى تراجع المرفق القضائي عما نأمله منه واستهدافاتنا الإصلاحية ونفسيتنا التواقة إلى النظام والتنظيم وبما أن النقد المجرد يفقد مصداقيته ويبقى قولا لا قيمة له , فاني كمحام ممارس للمهنة منذ زمن ليس بالقصير ومن خلال تجربتي المهنية لا بد لي أن استقصي عن الحلول من وجهة نظر قانونية وعملانية

وعليه فاني أرى أن رفع المستوى العلمي والقانوني للمرفق القضائي وتحسين المؤسسة القضائية بكافة جوانبها، يتطلب العمل وفق منهجين:

الأول: ميداني آني

الثاني: استراتيجي وفق خطة ممنهجة وعلمية

الحل الميداني(إسعافي): العمل وبشكل سريع على تفعيل دور التفتيش القضائي وإبعاد القضاة الذين يثبت ارتكابهم لفعل مخالف للقانون وفق معيار الحق والعدل والسعي لتعيين محامون ممن عرفوا بالمهنية العالية والسمعة الجيدة كقضاة وحسب الحاجة لكل مرتبة ,ومحاسبة المساعدون العدليون من كتاب المحاكم وموظفو الدواوين والأذان وغيرهم ممن يشكلون كوادر المرفق القضائي حيث نادرا ما نسمع عن محاسبة المساعد العدلي نتيجة ارتكاب معين أو إهمال وهذا منه الكثير.

الحلول وفق خطة ممنهجة وعلمية (إستراتيجية):

أولا - رفع مستوى الثقافة القانونية وحس المسؤولية والانتماء لدى المواطن والمختص:

فبشكل عام هناك ضبابية وعدم وضوح لدى المواطن عن دوره كمسؤول عن تطبيق القانون نتيجة التربية الخاطئة وعدم تصويبها من قبل الدولة خلال الفترة الدراسية لما قبل الجامعية ولا خلال الفترة الجامعية ما أدى بالشخص إلى تجاوز القانون نتيجة الشعور بضعف الانتماء الذي يولد عدم الحس بالمسؤولية،الذي أدى بدوره إلى خلل اجتماعي وسياسي واقتصادي, أدت بدورها إلى خلل قضائي ولكي نتجاوز هذا الأمر ونعد إنسانا مجتمعيا بحق لا بد من إعداد البرامج المكثفة والخاصة بتنمية ثقافة الانتماء والحس بالمسؤولية من خلال تنمية الثقافة القانونية والمجتمعية عن طريق المدارس والجامعات ووسائل الإعلام وغيرها من السبل مما لهذا الأمر من دور في ارتقاء الحالة المجتمعية والقانونية لدى الشخص ، لنصل إلى مستوى يصبح الشخص يقوم بتنفيذ النصوص القانونية بشكل إرادي لا عن طريق الزجر والعقوبة ,وهذا يريح المواطن والدولة, لان ليس للدولة القدرة أن تضع لكل مواطن رقيب وإذا فعلت فيكون هذا الأمر على حساب أمور أخرى أولى بالاهتمام .وهذا أمر يؤدي إلى تخفيف الضغط على المرفق القضائي

ثانيا - دور الجامعة :

واختصر الحديث هنا لأتكلم فقط عن ضرورة بناء الطالب الجامعي البناء العلمي والأكاديمي والمناقبي الجيد والمتميز والابتعاد عن سياسة الاستيعاب الكيفية ,وعدم الانحياز غير المبرر لطالب عن غيره مهما كانت الأسباب .

ثالثا - آلية انتقاء القاضي :

ضرورة تشكيل لجان لانتقاء القضاة من أشخاص عرفوا بالكفاءة العالية و النزاهة والتجرد، وعدم تأثرهم بالمؤثرات الخارجية، أي عدم قبول الواسطة، وأن يكون الانتقاء وفق معايير موضوعية محددة، لها شقين الأول يتعلق بشخص القاضي و الثاني بحالته الاجتماعية و الأسرية و التربية البيئية له,وان يدخل في قوام اللجنة أخصائيين نفسيين واجتماعيين لدراسة شخصيته بالدرجة الأولى قبل أن يتم اختباره بمدى حفظه للقانون لأن هذا العامل يكتسب بالمران والخبرة, أما الشخصية غير المؤهلة فلن تنصلح لا بل سوف تتعامل بفوقية مع الآخرين ما يؤثر سلبا على سمعة القضاء .

وهنا لا بد من التركيز على ضرورة زيادة عدد القضاة بما يتناسب وعدد الدعاوى المنظورة في سورية وقدرة الشخص الطبيعي التعامل مع عدد معين من الدعاوى ليستطيع أن يحقق العدالة المطلوبة ,مع ضرورة أن يبقى العامل النوعي والمتميز أساس لا يمكن الاستغناء عنه ,عندها نستطيع تطبيق القانون بالشكل الأمثل الذي نتوخاه من هذا القاضي.

رابعا- استقلال المرفق القضائي :

وهذا أهم عامل من عوامل نجاح المرفق القضائي وبدونه لا يمكن لهذا المرفق الارتقاء وإعطاء حالة الطمأنينة للمجتمع ولو توفرت باقي العوامل جميعها ,ولا يمكن تامين استقلالية المرفق القضائي من وجهة نظري إلا بتحقق التالي:

4-1 : أول فعل يجب أن تقوم به الدولة,هو تعديل المرسوم القاضي بجعل وزير العدل هو نائب رئيس مجلس القضاء الأعلى وإعادة الحال إلى ما كان عليه باعتبار أن رئيس محكمة النقض هو نائب رئيس مجلس القضاء الأعلى وهذا الأمر ينسجم ومبدأ فصل السلطات ويرفع هيمنة السلطة التنفيذية ممثلة بوزير العدل على السلطة القضائية في التعيينات والتنقلات للقضاة... وغيرها.

4-2 : الدعم المالي لوزارة العدل،لان إمكانياتها ضعيفة جداً بهذا المجال ما يعيق أدائها على كافة الأصعدة ( مرافق - خدمات- أجور-أبنية ....) بالرغم من أنها من أهم الوزارات التي تقدم دعم لوزارة المالية، وضرورة رفع المستوى المعاشي للقاضي من خلال دخله الشهري و تأمين السكن له و لعائلته، وتأمين وسائط النقل و غيرها من الأمور التي تريحه ذهنياً و نفسياً و تجعله يقوم بأداء عمله بشكل أفضل وامثل.

3-3 : أولوية تطبيق القوانين ,بالاعتماد على الوجدان المهني للقاضي أولا والمعيار القانوني للنص والاجتهاد ثانيا واستبعاد أي تعميم أو بلاغ من أي مكان صادر ومهما كانت صفة مصدره.

3 - 4 : عدم السماح التدخل بعمل القاضي لأي سلطة غير السلطة القضائية المسؤولة عنه ووفق الأنظمة والقوانين ,مهما كانت وتقييم أدائه من خلال المؤسسات القضائية وضمن معايير تقييم العمل المهني وليس أي معيار آخر . و بشكل مستقل عن كل المؤثرات.

3-5 : إلزام الجهات الإدارية مهما كانت و بلغت بتطبيق القرارات الصادرة عن المحاكم دون مناقشتها لأنه يفترض انه تم تمثيل الإدارة أمام المحاكم من خلال محاميها وهي إن قصرت في إبداء دفوعها التي تشكل مستند للقاضي ولم تبدها ,فهي التي يجب أن تتحمل نتيجة هذا التقصير, وان تنفيذ قرارات المحاكم هو واجب دستوري بغض النظر عن أي أمر آخر , وان في تنفيذ قرارات المحاكم ما يزيد ثقة المجتمع بالمؤسسة القضائية.

خامسا- إعادة التأهيل البشري والتقني والقانوني والاستمرار به :

وهذا يتمثل بعدة أمور

5-1 : ضرورة إحداث معهد متوسط قضائي للمساعدين العدليين يرفد المحاكم بأشخاص يستطيعون القيام بعملهم بشكل جيد و متميز لا أن يبقى عمل هؤلاء مرتبط بالروتين المعمول به والتجربة و...و...و

5-2 : إدخال الأتمتة والمعلوماتية في عمل المرفق القضائي وشبكات الاتصال بين دوائر الكتاب بالعدل خاصة لما في ذلك من تخفيف من جرائم التزوير وغيرها .

5 -3: إحداث مؤسسات للخبرات والطبابة الشرعية قائمة على أسس علمية وتقنية عالية لما لهذه المؤسسات من دور هام في كشف ومعرفة الكثير عن واقعة أي دعوى والتي تقود القاضي إلى إصدار القرار الصائب والذي يحقق العدالة .

5-4 : تعديل ما يجب تعديله من القوانين و الأنظمة المعمول فيها من خلال مختصين بما ينسجم مع المفهوم الحالي للتطور ودفع عجلة التحديث لهذه القوانين ما يعيد الحيوية للمؤسسة القضائية ويزيد من ثقة المجتمع بها.

5-5 : إعادة النظر بهيكلية ودور إدارة قضايا الدولة والاعتماد على محامين نقابة المحامين في التوكل عن إدارات الدولة

سادسا - ضرورة تفعيل دور المحامون :

من خلال إعادة النظر في تنظيم مهنة المحاماة ,وإيجاد المعايير القانونية والحقيقية للانتساب للنقابة وللأستذة وإيجاد معهد تدريب للأستذة أسوة بالمعهد القضائي لبناء إنسان قانوني قادر أن يكون مسؤولا عن احترام القانون واحترام تطبيقه ,كما وإعطاء الدور الأساس للنقابة والفروع بالمشاركة بإعداد القوانين نتيجة الخبرة العلمية والعملانية التي يتميز بها المحامي عن غيره ,وبشكل عام ما ينطبق على القاضي ينطبق على المحامي .

وأخيرا فان السعي لبناء المرفق القضائي- كما أي مرفق آخر في الدولة - ليس هدفه فقط تحقيق العدالة بل بناء هذا المجتمع البناء الذي يصل فيه إلى أعلى مراتب الارتقاء والاستقرار والأمان ما يؤثر إيجابا على تطوره وارتقائه ويجعله قوة منيعة أمام الآخرين والعابثين .