الكاتب : صقر ابو فخر

من غرائب حركة الاحتجاجات العربية، بل ربما أسوأ ما فيها، أنها أعادت الاعتبار إلى الجماعات الدينية التي اعتقدنا أن حضورها بدأ ينحسر في نهايات القرن العشرين، وأنها أعادت البريق إلى الأفكار التكفيرية التي قدمت أسوأ طراز من المروِّجين لها أمثال أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وأبو مصعب الزرقاوي وغيرهم. ومن البدهي أن تكون جميع ثورات العالم الإبنة الطبيعية لعصرها، وحركة الاحتجاجات العربية هي، بالفعل، إبنة عصرها، غير أن بعض جماعاتها، الإسلامية بالتحديد، هي إبنة عصر آخر، لا إبنة العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. ولا يحتاج الناظر إلى الأحداث السورية المحتدمة الآن، إلى كثير من العناء ليكتشف بعض الروائح الطائفية المنبعثة من بعض المدن السورية وأريافها، ومن بعض مواقع التواصل الاجتماعي التي لم تتورع عن تغيير ألوان العلم السوري (الأخضر بدلاً من الأحمر)، وهو استفزاز بغيض لفئات واسعة جداً من الشعب السوري.

إن سورية تواجه مشكلة متفاقمة ومركّبة ومتعددة الوجوه، بل معضلة معقدة جداً. لكن، الاحتجاجات تتصاعد يوماً بعد يوم في سياق اختفاء التيارات الإصلاحية والديموقراطية، وفي خضم انحسار القوى العلمانية واليسارية والليبرالية التقدمية، الأمر الذي يجعل مطالب الإصلاح والتحديث والحرية مشكلة في حد ذاتها، لتسربلها بمطالب خفية لجماعات غير مرئية تماماً، لكن روائحها تنتشر في كل مكان.

اجتماع الضواحي المهمشة

لا بد من التغيير في سورية. هذا أمر مفروغ منه تماماً، ولا يمكن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء البتة. لكن الإصلاح والتحديث والحريات، وهي من شروط نشوء مجتمع مدني حديث ونظام ديموقراطي عصري، لا تنمو اليوم في سورية نتيجة لتطور قوى اجتماعية تحمل معها مشروعاً للحداثة والنهضة والتقدم والديموقراطية، بل نتيجة لفشل التنمية الاجتماعية وغياب الحريات وفشل الدولة الحديثة في تحقيق دولة المواطنة، ونشوء الضواحي العشوائية حول المدن والتجمعات الريفية المهمشة جراء إكراهات قوى السوق والعوالم المفتوحة وضغوط العولمة... الخ. لذلك نلاحظ أن عمليات الاحتجاج في سورية لا تتخذ شكل الاحتجاج السياسي والاجتماعي من المنظار الديموقراطي الشامل، إلا في نطاق محدود، بل تتخذ شكل الاحتجاجات ذات الطابع السلفي أو الأصولي، أو احتجاج المجموعات الإثنية المهمشة كالأكراد مثلاً، أو الاحتجاج الطائفي الثأري.

إن الإصلاح والتحديث في سورية، على مشروعيتهما وضرورتهما، لا يمكنهما أن يكسبا الرهان التاريخي في ما لو تبخر الإصلاحيون؛ فلا إصلاح من دون إصلاحيين على غرار «لا ديموقراطية من دون ديمقراطيين» (انظر: عزمي بشارة، «في المسألة العربية»، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007). والاحتجاجات وحدها، في غياب القوى الإصلاحية وفي غياب مشروع مستقبلي للإصلاح، حتى لو كان الإصلاح والحريات والديموقراطية مطالب مرفوعة بقوة كشعارات جدية، ستفسح في المجال للسلفيات والأصوليات أن تجذب اتجاه الحركة الاحتجاجية إليها، وأن تخلخل المجتمع السوري بطريقة لا يمكن التكهن بنتائجها الكارثية على الإطلاق.

وكان من شأن ذلك التطور المتعاكس والمشوه الذي خضعت له المجتمعات العربية منذ أكثر من نصف قرن، وخصوصاً بعد طفرة النفط في أعقاب حرب تشرين الأول 1973، وظهور المدن المتضخمة سكانياً، والأرياف المهمشة، وأحزمة البؤس حول المدن التجارية، أن بدأت تلك المناطق تنجرف نحو التدين كردة فعل اجتماعية على السلوك الاستفزازي للأثرياء الجدد، وعلى الوقاحة في المجاهرة بالثراء الفاحش، وعلى نمط الاستهلاك البقري للذين اغتنوا بسرعة من فساد الدولة ومن الصفقات المريبة ذات الأرباح السريعة. لذلك ليس مستغرباً قط ان النظم العربية، ومنها النظام السوري، لا تواجهها معارضات صافية من موقع الديموقراطية، بل من مواقع طائفية أو قبلية أو إثنية. وهذا الاتجاه هو عودٌ إلى الوراء في شروط بناء الدولة المدنية العصرية، وهو أحد معوقات بناء الديموقراطية في المستقبل.

مواطنون لاذميون

بقيام إسرائيل في سنة 1948 في أحشاء سوريا أُصيب أمنها القومي بضربة هائلة، وخضعت جراء ذلك إلى تطور مأزوم ومضطرب انعكس في صورة عدم الاستقرار السياسي الذي ميَّز الحياة السياسية فيها، مع أنها ورثت من فرنسا نظاماً برلمانياً وحريات صحافية وحزبية مشهوداً لها. وسورية، هي البلد العربي الأكثر تنوعاً وتعدداً؛ ففيها من الطوائف ما يزيد على طوائف لبنان بثلاث على الأقل: إيزيديون وإسماعيليون وأحمديون (جميع الطوائف الموجودة في لبنان موجودة في سورية). ويُضاف إلى ذلك جماعات قومية كالأكراد والتركمان والشركس، فضلاً عن الداغستان والأرناؤوط والأرمن، وهي أقوام تمتلك قدراً من الترابط الإثني واللغوي غير متوافر في لبنان (عدا الأرمن). وللتذكير فحسب، فإن دمشق هي مقر كراسي بطاركة الأرثوذكس والكاثوليك والسريان، لأنهم عند احتلال تركيا الاسكندرون وأنطاكيا نقل هؤلاء البطاركة كراسيهم إلى دمشق، ولم ينقلوها إلى لبنان. لهذا لم يكن غريباً على الحياة السياسية في سورية أن يكون من أبرز وجوهها مسيحيون أمثال فارس الخوري وابنه سهيل الخوري وفايز الخوري ورفيق بشور وحنين صحناوي وليون زمريا وجورج شلهوب وروبير الياس وخليل كلاس وجورج خوري وميخائيل إليان ونوفل الياس وطعمة العودة الله وغيرهم كثيرون جداً (هذا إذا لم نذكر ميشال عفلق نفسه). ولم يكن مستغرباً في سورية أن يكون أبرز ضباط الجيش مسيحيين أمثال اللواء وديع مقعبري واللواء فيليب صوايا واللواء باصيل صوايا واللواء فؤاد قربة، واللواء ميخائيل ورد واللواء ألبير عرنوق والعميد جودت جورج والعميد آرام كرمانوكيان (قائد المدفعية في احدى الفترات) واللواء يوسف شكور (رئيس الأركان في حرب تشرين الأول 1973) والعقيد بهيج كلاس والعقيد وديع بشور والعقيد أنطون البستاني (من أصول لبنانية مع أن آل البستاني أصلهم من جبلة). ومع أن المسيح نفسه كان يتكلم الآرامية، أي السريانية، فهو؛ بهذا المعنى، سوري من الجليل الفلسطيني، ومع أن المسيحية أول ما انتشرت في العالم انطلقت من حوران وحلب وأنطاكيا، حتى إن البشارة التي نزلت على بولس مؤسس المسيحية الحقيقي، حدثت في الشارع المستقيم في دمشق (شارع مدحت باشا اليوم)، فإن بعض رجال الدين، بل ربما أكثرهم اعتدالاً، لم يتخلص بعد من «أحكام أهل الذمة»، فقد أكد مفتي سورية الشيخ أحمد بدر الدين حسون «عدم وجود ما يشكل خطراً على مسيحيي العالم العربي والشرق لأنهم في رحاب الإسلام، وأن الإسلام يحميهم» (جريدة «السياسة» ـ الكويت، 14/12/2010).

قصدت من هذا الكلام إلى القول إن المسيحيين وغيرهم من سكان سورية ومواطنيها لا يريدون حماية أحد، بل حماية الدولة. أما القول إن الإسلام يحميهم، فهو كلام لا يقنع البتة مسيحيي العراق أو مسيحيي مصر على سبيل المثال، وهو يدور في سياق مفهوم الذمة. و«الذمة هي علاقة وصاية إذا صيغت سلباً، أو علاقة حماية إذا صيغت إيجاباً. وهي علاقة بين طرفين وليس بين مواطنين، علاوة على انهما طرفان غير متساويين. فهناك طرف يملك الدولة ويمنح الحقوق أو الحماية أو الوصاية، وطرف آخر متسامح وراضٍ أو قابل بإرادته أو على الرغم منه» (عزمي بشارة، المصدر السابق نفسه، ص139).

عقد اجتماعي

الديموقراطية لا تعني حكم الأغلبية ونقطة على السطر. فهي، في إحدى المراحل، منحت أصواتها لقوى غير ديموقراطية (النازية مثلاً)، وقبلت أن تمنح بعض الزعماء حق الحكم مدى الحياة (فرانكو وسوكارنو)، وسمحت لأحزاب سياسية ان تقمع مواطنيها من الأقليات الدينية والقومية (بريطانيا وفرنسا وبلجيكا). الديموقراطية مجموعة من المبادئ تشكل في مجموعها نظاماً للحكم. ثم إن الديموقراطية، فوق ذلك، ليست نظاماً للحكم فحسب، بل هي نظام للمجتمع التعددي أيضاً كالمجتمع السوري الأكثر تعدداً من العراق ولبنان. والدولة الديموقراطية تحترم حق مواطنيها في اختيار عقائدهم الدينية، وتحترم، في الوقت نفسه، حق من لا يرغب في التزام القوانين الدينية، ولا سيما في ميدان الأحوال الشخصية، فيكون للجميع قانون مدني واحد للأحوال الشخصية، وملزم لجميع المواطنين، ومن يرد بعد ذلك أن «يبارك» زواجه في الكنيسة أو يزكيه لدى شيخه فهذا حقه أيضاً. والديموقراطية، مرة ثانية، ليست مجرد نظام سياسي، بل هي عقد اجتماعي. وكما في أي تعاقد، فإن التزام جميع الأطراف بنود العقد هو شرط لسريان العقد ومفاعيله. والديموقراطية لا يمكن أن تكون نظاماً للحكم من غير أن تكون نظاماً للمجتمع. الآن، كيف نضمن ألا تعمد الجماعات الإسلامية، في ما لو استولت على السلطة في هذا البلد العربي أو ذاك، إلى إلغاء الديموقراطية بوصفها نظاماً سياسياً مستورداً؟

إن هذا السؤال هو نفسه السؤال التاريخي الذي ما برح متردداً: كيف نقيد أيدي السلطات حتى لا تنقلب على الناس فتكم أفواههم؟ وفي الحال السورية فلا جواب حاسماً، بل مجرد تمارين ذهنية وأجوبة احتمالية ستحسمها التجربة الميدانية في نهاية المطاف. كل ما يمكن قوله هنا هو أن الدولة المدنية هي الضمانة؛ فهي العنصر المضاد للاستبداد لأنها تفتت السلطة إلى ثلاث سلطات دستورية، علاوة على سلطة رابعة هي سلطة «المجتمع المدني»، وتكون الكلمة الأخيرة فيها للقانون والمؤسسات لا الأفراد. بينما الدولة الدينية أو شبه الدينية هي دولة استبداد لأن السلطان أو الحاكم أو الخليفة تجتمع جميع السلطات بين يديه. والدولة الدينية تقوم على رجال الدين الذين يحددون من هي «الفرقة الناجية» ومن هو المسلم ومن هو الكافر. والحكم في الدول الحديثة يجري بموجب القوانين المتغيرة، لا بموجب النصوص المستقرة. وحتى الدول الإسلامية صار قانون العقوبات فيها مدنياً؛ فلا عقوبة من دون نص. وبهذا انتزع المشرِّع من قضاة الشرع عقوبة التعزير، وما عادت القوانين تسمح برجم الزانية وجلد شارب الخمر وقطع يد السارق واعتبار الردة جريمة، وألغت الجزية وحرّمت الرق ومُلك اليمين، وساوَت بين مواطنيها أمام القانون وفي الخدمة العسكرية.

قصارى القول إن إحدى ضمانات عدم تحوّل الدولة المقبلة في سورية إلى الاستبداد الديني هي الدولة المدنية العلمانية التي لا ينص دستورها على دين الدولة، لأن الدولة لا دين لها. الأفراد لهم دياناتهم، وهم بصفة كونهم أحراراً يمارسون دياناتهم بحرية تامة، بينما الدولة محايدة في هذا الحقل الاجتماعي، ذلك لأن أي نص دستوري يقرر أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، أو أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساس للتشريع، سيلغي فوراً المساواة بين المواطنين، أي انه سيلغي الأساس الجوهري للديموقراطية والمواطنة والحرية والمساواة، وسيشكل ذلك نكوصاً عن الدولة المدنية إلى الدولة شبه الدينية من طراز دولة حسن الترابي ـ جعفر النميري في السودان. فشل النظام السياسي في سورية في أمور كثيرة، وهو مثله مثل معظم النظم السياسية في العالم الثالث التي لا يتذكر المواطنون منها إلا طعم السفرجل: كل عضة بغصة. ولعل الشأن الوحيد الذي نجحت هذه الأنظمة في تحقيقه هو القضاء على الحرية وتعميم الاستبداد وتكميم الأفواه. لكن ذلك كله سينتهي على الأرجح.

والنظام السياسي في سورية الذي حاول في العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين أن ينتهج الطريقة الصينية أو الماليزية، أي اتباع ليبرالية متدرجة في الاقتصاد، لكن في إطار نظام سياسي مركزي، فشل في هذه الغاية، ووجد نفسه غير قادر على مواكبة شروط العولمة والأسواق المفتوحة والتجارة الحرة. والسبب هو النظام السياسي والبيروقراطي الثقيل والبطيء والمشبع بمفاهيم الأمن بدلاً من مفاهيم الاقتصاد، وبمفاهيم الدولة الحامية بدلاً من مفاهيم الدولة الراعية، الأمر الذي جعل شؤون إدارة الناس وحياتهم اليومية تُساس بالتسلط لا بوسائل السلطة المعروفة كالقوانين. ذلك كله، فضلاً عن الفساد المستشري، جعل النظام السياسي كابحاً للتطور ومعيقاً للتقدم ومانعاً لقيام مجتمع عصري، وأقفل طرق الترقي الاجتماعي والوظيفي أمام المواطنين إلا من خلال بيروقراطية الدولة والحزب، أو من خلال جني الثروات الفاحشة ولو جاءت من طرق غير مشروعة.

خلاصة الكلام، في خضم ما يجري في سورية، ان السوريين جميعهم، حكماً ومعارضة، باتوا في سباق ماراتوني حقيقي، وأن سورية باتت في معبر إلزامي، ولا سبيل أمامها إلا واحد من خيارين: إما الذهاب بالإصلاح إلى نهايته (والإصلاح في سورية يعادل ثورة كاملة)، أو جرجرة البلاد إلى الإنهاك والغرق في الرمال الدموية على غرار لبنان بين 1975 و1990، علاوة على فقدان الدور الإقليمي كما حدث في العراق منذ سنة 1991 فصاعداً. ولأن السياسة هي فن الممكن، فقد آن الأوان (وربما آن الأوان منذ زمن بعيد) لعقد تسوية بين الشعب السوري بفئاته المختلفة كلها، وبمطالبه المشروعة كلها، وبين السلطة السياسية. وهذه التسوية تصبح ملحاحة وضرورية جداً إذا كان البديل منها الحرب الأهلية.

ولا ريب في أن الضمانة لتحقيق هذه التسوية تبدأ بتأليف «جمعية تأسيسية» تمثل جميع أطياف الشعب السوري، وتكون لهذه الجمعية صلاحيات دستورية موقتة. وعلى هذه الجمعية تقع مسؤولية صوغ قانون انتخابي موقت، وتأليف لجنة مستقلة للإشراف على الانتخابات. وتنتهي مهمة الجمعية التأسيسية مع إعلان نتائج الانتخابات التشريعية. والمجلس النيابي الجديد سيكون مسؤولاً عن إصدار القوانين الدائمة للأحزاب والصحافة والنقابات، وعن إجراء التعديلات الدستورية التي يرى ممثلو الشعب أن لا بد من إجرائها.