مؤتمرات متلاحقة وتصريحات تبدو وكأنها تجاوزت زمنا محددا في عمر سورية، فالمشهد العام لا يوحي فقط بـ"الاضطرابات" التي تتصاعد يوم الجمعة، ثم تعو ليلية باقي أيام الأسبوع، ولكنه يقدم أيضا بانوراما من المواقف تبدو وكأنها تسبح فوق الحراك السياسي، فسورية عمليا ليست "عنوانا" إعلاميا دوليا رغم دفق الأخبار والتقارير وحتى التقديرات بشأنها، بل هي أيضا محاولات لقراءة "الأزمة" أو حتى التعامل معها وكأنها قامت بفرز حاد للقوى السياسية والاجتماعية.

في سورية اليوم مؤتمر حوار وطني يراهن البعض على فشله عبر المقاطعة او الاعتذار، بينما يتقدم البعض خطوة باتجاهه، ولكن معظم التقديرات ترى أن ما يطلق عليه اليوم "قوى المعارضة" متحصنة في مسألة "الاضطراب" الحاصل لتفرض شروطها رغم انها لم تشارك مباشرة فيما حدث او حتى في رسم الأحداث لاحقا، وهي بالمناسبة تأخرت نسبيا عن اللاحق بركب التصريحات الخاصة وتركت الشهر الأول للمعارضة في الخارج، وربما يأتي السؤال اليوم عن الآليات السياسية القادمة وعلى الأخص أن مسألة الحوار لا يبدو انها كسرت القاعدة التي تم الانطلاق منها وتقسيم الشارع السياسي إلى معارض ومستقل و "سلطة".

بالتأكيد هناك ضرورة لخروج المواقف إلى سطح الحدث وهذا ما حدث عمليا من خلال ثلاث مؤتمرات متلاحقة، لكن مسألة العمل السياسي باتت تحتاج إلى تقنيات تتجاوز "مسألة المواقف"، وربما تحديد برامج سريعة سواء شاركت بعض القوى في مؤتمر الحوار او قاطعته، على الأخص ان هناك زمن محدد يمكن أن نرى بعده حالة مختلفة ليست بالضرورة متوافقة مع الرؤية التي يحاول البعض وضعها اليوم سواء من طرف المعارضة أو السلطة أو حتى المستقلين.

"الجمهورية" كما نعرفها اليوم هي عملية اختبار داخل المواقف السياسية، ولكن البعض يتحدث عن "ولادة" جديدة لها ربما وفق سياق الحديث عن دستور جديد، لكن هناك أمرين أساسيين في هذا الموضوع:

- الأول أن "الجمهورية" - السورية طبعا - ليست توليفة سياسية، والملاحظ أنها ولدت عمليا داخل "الإرادة الاجتماعية" وربما قبل أن يتم إقرارها بدستور واضح المعالم، فهي جمهورية ربما قامت على كسر التوازنات التي رسمتها الحدود السياسية الموضوعة عبر مؤتمر الصلح في باريس.

- الثاني أنها "جمهورية" عبرت عن طموحات واضحة سواء من ناحية تقديم نموذج عصري أو في الارتكاز إلى تشكيل إقليمي، فمنذ البحث أواسط الخمسينيات عن وحدة مع مصر وصولا إلى نهاية العقد الماضي كانت تلك الجمهورية تحمل بعدا سياسيا يتجاوز جغرافيتها.

"الجمهورية" التي يتم البحث عنها اليوم تغيب عنها تلك القيم التي رافقت ظهورها، وربما كان هذا الغياب إعلاميا فقط نظرا للظر,ف السورية، لكننا في النهاية أمام عمليات كبرى داخل سورية، سواء في محاولات تعديل الدستور أو وضع دستور بديل أو حتى في بناء حراك سياسي وتعددية، وهو أمر ربما يفرض النظر إلى المسار الخاص بالجمهورية وإلى وضعها في الواقع الحالي.