وزير الخارجية التركي يحمل رسائل حازمة، وضمن سياق يوحي بان "الحزم" لم يستخدم بعد ضد سورية، ولكن الأسئلة تبقى معلقة حول نوعية وآلية التصرف التي يمكن اتباعها بعد أن تم استنزاف وسائل الضغط التي يمكن اعتبارها أكثر إحراجا، وهو ما دفع ببعض المراقبين للحديث عن الوسائل العسكرية، أو حتى تجديد الحديث عن سيناريوهات تقحم سورية بعمل عسكري متعدد الأطراف! الاحتمال العسكري الذي يستبعده البعض ربما يشكل بذاته "الإيحاء" الأقوى بالقدرة على تبديل ملامح الشرق الأوسط، لكن مثل هذه الحرب مهما حاولت التقارير الإعلامية رسمها وفق ملامح إنسانية ستغير من التكوين السياسي القائم ليس في سورية وحدها، فالحديث عن الحرب وخلق البيئة الخاصة لها هو أمر ليس وليد الأمس، والاستعدادات الإسرائيلية التي بدأت منذ الصيف الماضي مفترضة حصول هجوم ثلاثي عليها يظهر اليوم انه ربما يشكل واقعا مع احتمالات "الحرب الإقليمية" التي يتم الترويج لها على الساحة الدولية. بالتأكيد فإن الأزمة السورية شكلت مفصلا حادا خارج إطار ما يسمى الربيع العربي، لأن إطارها العام والإعلامي بالدرجة الأولى ربما انطلق من مساحة الحرية التي على ما يبدو ممزوجة برغبة تكسير جغرافيتها - السياسية أكثر من كونها احتجاج او تحريض على التظاهر، وانقلاب المشهد السوري بهذا الشكل السريع لا يعبر فقط عن ضيق اجتماعي أو رغبة في العدالة والحرية، فهو تجاوز نفسه بأسابيع قليلة ليقدم نموذجا واضحا لضرب البنية الاجتماعية بالعمق، ومهما كان توزع المسؤولية عن هذا الحدث لكنه حتى اللحظة لا يشكل سوى ترتيبات سياسية تظهر خارج الحدود السورية وعلى الأخص في تركيا التي تؤكد المؤشرات أنها كانت مكلفة بالملف السوري منذ البداية فما الذي تغير؟! بعض التحليلات التي ظهرت في بداية الحدث السوري كانت تتحدث عن حذر أمريكي مما يجري، لكن المعطيات التي ظهرت بعد تطور الوضع يظهر أن المسألة كانت مركبة ومتشابكة أكثر من كونها مجرد موقف أمريكي، فنحن شهدنا أربع محطات أساسية فيما جرى: •- الأول كان في الظهور التركي المباشر منذ الأيام الأولى للحدث، وهو لم يكتف بالنصح بل باستقبال مؤتمرات المعارضين التي كانت مجالا لعملية تجميع للمعارضين أكثر من كونها مؤتمرات لإعلان المواقف، فتركيا سعت بتمكين المعارضة من الدخول في اختبارات سياسية من أقرب نقطة جغرافية لسورية. •- كانت المحطة الثانية في تحول تلك المؤتمرات إلى نوع من التحضير للنشاطات القادمة في سورية، فهي دفعت نحو منح بيئة الاضطراب شرعية من خلال "الدعم اللوجستي المقدم"، فتركيا كانت في تلك المرحلة نقطة تجميع للفعاليات الخاصة بالمعارضة. •- ظهرت المحطة الثالثة من خلال أحداث جسر الشغور، وربما كانت ذروة الدور التركي حيث ظهر في تلك الفترة السيناريو الذي يتحدث عن "مناطق خضراء"، وظهر التشابك الإقليمي على أشده فسورية كانت على وشك الاشتباك المباشر في حدودها الشمالية، وإذا كانت بعض التقارير تتحدث عن دور إيراني في لجم تطبيق سيناريوهات تركية على الحدود السورية، لكن أنقرة وعبر مسألة "النازحين" تابعت دورا أساسيا في تحويل الحدث السوري إقليميا باتجاه الحالة الإنسانية، رغم أن التصريحات الأمريكية مردوفة بمواقف لبعض أقطاب المعارضة كانت تتحدث عن "دور إيراني" في قمع التظاهرات السورية، فالولايات المتحدة لم تخف منذ اليوم الأول السيناريوهات السياسية التي كانت تسعى إليها واشنطن. •- في النهاية فإن أنقرة تعود من جديد، ليس فقط من اعتبار أن "سورية شأن داخلي تركي"، بل أيضا شأن يهم حلف النيتو أيضا، فأن يحمل وزير خارجيتها رسائل أمريكية فهذا يعني أن الحلف ينظر إلى الحدث السوري وكأنه تتابع للمهام التي يقوم بها في أرجاء العالم، حتى ولو لم يصل الأمر إلى التحرك العسكري المباشر. السيناريو العسكري المستبعد يمارس على الأرض السوري واقعيا، فالمسألة ليست في تدخل وحدات عسكرية حيث يكفي النظر إلى نوعية العملية العسكرية التي اضطر الجيش إلى دخولها وإلى الصراع المسلح الذي حصد من الجيش الكثير حتى ندرك أن المهم اليوم بالنسبة لتركيا وللولايات المتحدة الحفاظ على البيئة السياسية للاضطراب لأنها "تولد" بشكل سريع "خلايا مسلحة" ثم يطالبون الجيش بالعودة إلى ثكناته. هي آلية متكاملة تبدو انها الخط الموازي لما يجري في ليبيا، مع فارق في أشكال تكوين الأزمة ففي سورية ربما لا توجد حتى اللحظة حاجة كي تنفذ وحدات للناتو عمليات عسكرية بشكل مباشر، ويكفي رعاية بيئة الاضطراب لتأجيج حالة مسلحة يمكن رفدها بشكل سريع من مناطق مختلفة، فهل يمكن لوزير الخارجية التركي ان يقدم اليوم أي مشهد جديد للموقف التركي؟ ربما يكون الجديد الوحيد هو الموقف الإقليمي خليجيا وسعوديا، فأوغلو اليوم يحمل معه هذا الموقف الذي ظهر بعد الإعلان عن زيارته، وأيضا بعد تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون بشأن الاستعانة بالعرب للضغط على سورية، لكن الخط العربي ورغم المواقف الأخيرة هو رهان أخير وربما يشكل النقطة الأضعف في هذه المسألة، فهو يسير على مساحة تبقى مضطربة لأنها في النهاية مرسومة سلفا وربما قبل الأزمة السورية، فدمشق خبرتها بشكل واضح خلال حرب 2006، وهو ما يجعل أي إضافة لموقف أوغلو مجرد تحصيل حاصل. الرهانات التركية تحمل سيناريو عملية الاستبعاد والاقصاء للسيادة الوطنية تحت عنوان التحول من السيادة الوطنية إلى القضايا الإنسانية، لكن الأزمة السورية لا يمكن إدارتها من الخارج.. هذا على الأقل ما تقدمه مسيرة سورية منذ الاستقلال.