في فترة "المد التركي" لم نكن نشاهد أي مساحة إضافية عن الود والاتفاق وحتى التعاون، لكن هذه الصورة كان هناك ما يعاكسها داخل الحياة العامة من خلال الدراما التركية، فهي مليئة بالإثارة والتقلبات وبشكل يوحي أن التحالف مع الأتراك مغامرة كبرى لأنه دخول لمنطقة خطرة فيها مافيا كبيرة، ورجال يعملون كقتلة مأجورين، ونساء قادرات على الخيانة أو حتى تقديم سحر خاص بجمالهن. والمسألة ليست "دراما تركية" لكنها مشهد يسير بجوار الوقائع السياسية لأنه يقدم كل ما هو غير متوقع، ويدفع بأبطال الدراما التركية إلى ذروة النجومية داخل المجتمع، فهم أبطال يتميزون بالجمال والنزاقة، وبعضهم بالأساس مجرمون لكن ما يغفر لهم هو مسحة الرجولة على وجوههم وقدرتهم على العشق والقتل في نفس اللحظة، فهل كنا نواجه ثقافة حقيقية؟ أم أن تلك المسلسلات التي كانت تشعرنا من القرب البيئي كسر مساحة الملل وقدم مادة للتسلية؟ بالتأكيد فإن القضية ليست اتهاما للمجتمع التركي فالدراما صناعة والسياسة أيضا صناعة، وفي الصناعتين يمكن ان نختبر خيال المجتمع وقدرته على تقديم نماذج غريبة، وما حدث منذ بداية الأزمة السورية أننا بالفعل واجهنا نموذجا في تلك الصناعة جعلنا مقتنعين بأن الخيال السياسي لا يقل عن "الخصب الدرامي". التقلب التركي ليس مزاجا أو مصلحة مطلقة، ووزير الخارجية التركي أحمد داوود اوغلو عندما تحدث عن العمق الاستراتيجي في كتابه الشهير كان يريد إعادة رسم التوازن التركي بكل صراحة، وبطاقة زائدة قفزت فجأة لفلسطين ثم عادت لتقف على الحدود الشمالية لسورية، بينما شهدنا فصولا لصراع العسكر والساسة لا يقل إثارة عن تلك المقدمة في الدراما التركية، وأنقرة اليوم خارج التحليل السياسي تعيد رسم "ذهنية الوالي" و "الباب العالي" سواء في التحذيرات، او حتى في نوعية الشخصيات المتقلبة للقادة العثمانيين، مع فارق جوهري هو أننا نواجه رجالات سياسة تربوا في المدرسة العلمانية رغم أنهم اليوم قادة أحزاب لها صبغة دينية، وهم أيضا مزودون بأكاديمية عالية لكنها لم تغير من طبيعة إيمانهم بتراثهم التركي، وكل هذه الأمور لا تعيبهم بل على العكس فهي تضعهم في موقع سياسي خاص داخل دولهم، وهنا المفارقة، لأنهم بالنسبة لنا دولة أخرى كما كانت الدراما التركية ثقافة أخرى نشاهدها للتسلية. بعد سنوات سنتذكر الحدث الحالي وربما يمر بنا طيف الساسة الأتراك سواء في تصريحاتهم أو زيارتهم لسورية، وعندها يمكن أن يرسم البعض صورة مختلفة تماما، لأننا اليوم مازلنا نشاهد إبداع الخيال في صناعة السياسة، ونحن أيضا ننزف دما بينما تطفو المواقف على صفحة الحدث الذي يدخل إلينا، وفي النهاية نرى سورية بأعيننا لأننا وحدنا القادرون على التفاعل معها وعلى معرفتها مهما كان إبداع الآخرين او خيالهم.