بالتأكيد فإن كل الوزراء العرب على الاضطلاع كامل بتشابكات الوضع السوري، وبالتعقيد الخاص به لجهة ارتباطه بأزمة حادة على صعيد مجلس الأمن، وأيضا بنوعية التحالفات الدولية سواء مع النظام السياسي أو حتى المعارضة، ورغم ذلك فإن مبادرتهم التي طرحوها بالأمس تتجاوز كل الأمور السابقة، وتطفو على سطح الحدث على الأخص لجهة المقاربة التي قدمها وزير الخارجية القطري معبرا عنا بأنها "مخرج مشرف" على سياق الأزمة اليمنية، ولكن كيف؟!

عمليا فإن مجال المقارنة ما بين اليمن وسورية لا تتسع له صفحات من التحليل والدراسات، لكن المهم هنا هو البحث في خلفية ما أطلق عليه "المبادرة" وهي تتضمن تفاصيل كثيرة تحتاج لمفاوضات تتجاوز الأشهر، هذا إن سمح الوضع الداخلي السوري والإقليمي وحتى الدولي للتعامل معها، فطرح مثل هذا الحل يشكل "أزمة" بذاتها ظهرت مباشرة عبر الرد السوري الذي رفضها مباشرة لاعتبارين:

الأول لأنها جاءت لتتجاوز تقرير بعثة المراقبين، ولتجعل من ملاحظاتهم مجرد "تمضية وقت"، فظهر الحل العربي من خارج سياق التقرير الذي قدمه رئيس البعثة محمد أحمد الدابي، وحتى مع عدم اعتماد الحل القطري بإرسال "قوات عربية"، لكن المبادرة جاءت في نفس السياق لأنها سياسيا على الأقل قفزت فوق كل الاعتبارات السابقة المرتبطة بالجهد الدبلوماسي السابق للجامعة ولنشاطها الدبلوماسي. الثاني أن المبادرة تعتمد على حل سياسي يرتب البيت السوري دون الرجوع إلى الدولة، تماما كما جاءت المبادرة العربية وبعدها برتوكول المراقبين، فترتيبات الجامعة العربية تأتي وفق بناء فوقي يتم تداوله بين القيادات العربية إن صح التعبير ودون الرجوع لنوعية الحراك السياسي داخل سورية ناهيك عن التحركات العسكرية. الرد السوري كان متوقعا أيضا من الجانب العربي الذي وضع المبادرة، فالهامش السياسي داخل الاقتراحات العربية معدوم، وهو يريد الدخول مباشرة إلى صلب الصراع الدولي بشأن سورية، وأكثر من ذلك فإن الحل الوحيد على ما يبدو بالنسبة لبعض الدول العربي هو ظهور نزاع إقليمي من خلال التصعيد السياسي المستمر، فهل هناك رغبة عربية لنشوب حرب إقليمية؟

الأجوبة هنا تتعدد لكن الواضح أن مثل هذه الحرب ربما تحقق ما لا يمكن تحقيقه من خلال تصعيد الحدث السوري، فالحلول العربية كانت دائما تشبه القفزات السريعة ولا تحاول أن تقدم استمرارية بالجهد السياسي، و "الرغبة في الحرب" ربما تكون مكروهة إلا أنها تصبح الإطار الوحيد بالنسبة لمنطقة تريد اليوم تمهيد الحرب دون التورط فيها، فالحديث عن عدم التدخل الدولي لا يعني أبدا عدم اندلاع حرب إقليمية، فهناك تميد للشروط اللازمة لها، وهناك قوى إقليمية وصلة إلى ذروة المأزق السياسي ويبدو الصراع العسكري حلا مشروعا بالنسبة لها، وذلك مع الأخذ بعين الاعتبار ثلاث أمور أساسية:

الأول – أن دول الخليج رغم الهدوء داخل لكنها بعد عام على ظهور ما يسمى "الربيع العربي" أصبحت محشورة بكتلة متوترة عموما، وهو أمر لا يؤشر على مستقبل واضح المعالم حتى بالنسبة لها، وحتى مع وجود تحالفات لها مع القوى الصاعدة إلا أنه من الغلط اعتبار أن مثل هذه القوى، وعلى الأخص القوى الإسلامية، ستشكل عامل استقرار إقليمي، فالتحركات الدينية تاريخيا "مسكونة" بالرغبة في الانتشار، ووحدها الحرب يمكن أن تعيد تحديد العلاقات بين الدول مع ضمان عامل الدولي يحمي "الإمارات" و "المشيخات" وآبار النفط.

الثاني – أن الأزمة الإيرانية – الأمريكية لم تصل إلى حد المواجهة، وفي حال حدوث مثل هذه المواجهة فإن دول الخليج ستجد نفسها كخط جبهة أمامي، بينما يجعل التوتر القائم اليوم دون حلول كاملة إيران في موقع متقدم على الخص انها تتحكم بالمسار السياسي ولاحقا ستصبح دولة نووية، فعامل الزمن هنا أساسي، والحرب الإقليمية ستدفع إلى حسابات جديدة خصوصا بالنسبة لإيران التي ستجد حلفائها في مرمى النيران، فالإحراج السياسي أساسي هنا لوضع إيران في موقع مختلف، فالاختبار الأساسي لموقع طهران إقليميا لن يكون لإلا من خلال صراع يعيد رسم دورها داخل الشرق الأوسط.

الثالث – مرتبط بمصير العراق، فهو دولة لم تقسم بعد لكنها لا تمثل كتلة واحدة، وهي ستشكل اختراقا استراتيجيا في المستقبل لأي تحالف مستقبلي، وهناك صعوبة في رسم خارطة سياسية للقوى الفاعلة داخلها طالما أنها واقعة اليوم بين أزمتين الأولى في إيران نتيجة الصراع على الملف النووي، والثانية في سورية جراء الاضطرابات التي اتخذت بعدا مسلحا، وربما ستشكل الحرب الإقليمية ساحة لإعداد رسم الدور العراق أو حتى لتقسيمها وفق الصورة التي تنتج عن مثل هذه الحرب.

نحن لم ندخل في سيناريوهات الحرب بعد، لكن التصعيد السياسي العربي وسط أزمة دولية تجاه سورية لا يقدم أي مؤشرات إيجابية، وهو بالتأكيد يحمل شروط أولية لـ"مناخ" حرب لم تتحدد ملامحها بعد.