الحرب قائمة في سورية وهي لا تحتاج لتدخل الناتو، فعندما يتم الحديث عن عدم التدخل الخارجي فإن الأمر يذهب نحو نقطة إجرائية، وباتجاه البحث عن "شرعية" التدخل، لكن ما يجري على الأرض وما شهدناه مساء الجمعة كان أكثر من حرب وبأدوات متعددة، فمن مجلس الأمن كان الصراع الدبلوماسي على أشده، لكنه انعكس بشكل سريع باتجاهات متعددة، فهوجمت السفارات السورية في العالم، وفي المقابل كان الإعلام حاضراا للدعم وربما الترابط، بينما اشتعلت حمص بشكل غير مسبوق.

في المقابل فإن السيناريو المطروح يحاول أن يكرر نفس المسارات السابقة: إسقاط النظام ولو بشكل افتراضي، والحديث عن فقدان السيطرة بهدف الإرباك، لكن في نفس الوقت فإن هذه المقاربة هي "قصيرة الأمد"، وفقدت مع الزمن عنصر المفاجأة، والأمر الوحيد الذي تحققه هو حالة من التصعيد الدبلوماسي نتيجة "فورة المسلحين" وأعداد الضحايا الذي يتفنن بعض الجهات في إحصائها فتأتي الأرقام متناقضة بشكل كبير، رغم أن الدعم الإعلامي يوفر غطاء واضحا لرسم مشهد مأساوي بامتياز.

عمليا فإن الحرب القائمة هي من النوع الذي لا يمكن تتبعه بشكل منهجي، لأنها "فلاشات" تنطلق في مكان وتخبو في مكان آخر وذلك وفقا للحركة السياسية داخل مجلس الأمن، أو حتى صراعات جانب عربي مع سياسات إقليمية محددة، وهو ما يجعل احتمالات التوصل إلى نقطة واضحة في الأزمة صعبة إن لم تكن مستحيلة، لأن الحرب القائمة لا تملك معسكرات معلومة سلفا حتى ولو استطعنا تحديد الجهات القائمة وراء هذه الحرب، فهي تملك أمرين أساسيين:

الأول هي "حرب الشك" لأنها تستهدف بنية المجتمع والدولة أكثر من رغبتها في تكسير سلطة أو إسقاط نظام، فعلى صعيد الحدث الآني هناك شعارات وشهود وشرائط فيديو تتحدث عن مسألة "إسقاط النظام"، لكن على مستوى المشهد العام الإقليمي أو حتى الدولي هناك تحطيم بنية كاملة من خلال سيل الأخبار التي تطال أي شخص أو مؤسسة، ويتم رسم مساحات انشقاقات افتراضية، وتوضع تقارير مجهولة المصدر حول توازن القوى، بينما تظهر أوراق من بعض المؤسسات الدولية ودون توثيق واضح حول "القتل" أو الوضع الإنساني، وبهذه الصورة فإن سورية تخضع لحالة من التدمير الممنهج على المستوى الاجتماعي وسط "حرب الشك" التي تطال الجميع. الثاني هي حرب "اللا توازن" سواء على صعيد القوى الاجتماعية أو حتى البيئة السياسية، حيث تبدو سورية اليوم "جغرافية اختبار" للآليات الدولية، وربما مساحة لفرض إرادات ستؤثر مستقبلا على كل الاعتبارات التي تحكم المؤسسات الدولية وعلى الأخص مجلس الأمن. التدخل العسكري في سورية لا يخدم أي طرف دولي، فلا يوجد اقتسام مصالح داخل سورية، وهو أمر ليس آني بل ربما تاريخي، ورغم أن المقاربات التاريخية غالبا ما تهمل الكثير من العوامل المستجدة، لكن ما يحدث الآن يصل إلى درجة "النموذج المثالي" في مسألة الجغرافية – السياسية الخاصة بسورية، حيث يبدو من الصعب "التوافق" دون تحول المعادلة الإقليمية بشكل كامل، لذلك يبدو الجميع متورطا بكامل قواه في الصراع الدائر، وربما على سوريين فقط الانتباه إلى أن ما يجري تجاوز حدود المألوف أو المتوقع أو حتى الشعارات التي مازالت ترفع من مختلف الأطراف.