تتحرك الدبلوماسية الدولية اليوم على مساحة عربية، فالرهان بخصوص سورية يظهر في دول الخليج بالدرجة الأولى، ورغم ظهور تصريحات تركية أدلى بها وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو أمس، لكن مسألة "أصدقاء سورية" كمشروع سيبقى في "الجغرافية الخليجية" كمنطقة يتم استخدامها ليس فقط في الضغط السياسي، بل أيضا في عملية التعويض الاستراتيجي عن عدم إمكانية خلق مناخ دولي منسجم مع مسألة "إسقاط النظام".

ولا يبدو غريبا أن يتم توزيع مشروع سعودي على الجمعية العامة لتأييد "الميادرة العربية"، فالمسألة هي افتراض أن سورية تنحو باتجاه معاكس للسياسات الإقليمية والعربية عموما، وهو ما يمكن اعتباره نوعا من خلق انسجام عام على صعيد أي صراع في الشرق الأوسط باستثناء المسألة السورية، ومن هذه النقطة يمكن فهم طبيعة مشروع "أصدقاء سورية" لأنه يهدف في النهاية لخلق ما يمكن تسميته "تجويف سورية" يتم من خلاله حشر كافة الأزمات فيه، وافتراض أن الحل سيكون حزمة واحدة، فأهداف "أصدقاء سورية" تملك بنية عميقة تتجاوز مسألة الشعار المطروح كـ"تعرية" للنظام السورية، وربما سيجد من ينضو تحت هذا الشعار أنه أمام مشروع أكبر بكثير من مسألة "التضامن" أو إحداث تغيير في سورية.

عمليا فإن التحرك الخليجي يرى المنطقة وفق صورة مختلفة تماما عما هو قائم حاليا، لأنه يسعى لإيجاد منطقة سياسات هشة ضمن محيطه الإقليمي تساعد على عدم تكرار تجارب سابقة ظهرت في كل من مصر والعراق وسورية، ووفق هذا التصور يمكننا فهم مسألة "أصدقاء سورية" وفق ثلاث أمور:

الأول خلق "التزام" سياسي بمسألة التوازن داخل سورية، فأي خطة سياسية لحل الأزمة عليها التعامل مع الفرز الذي حصل نتيجة الأحداث، وهو امر سينتج "تجويفا" سوريا قائما على أساس ديمقراطية تأخذ بعين الاعتبار التكوين السكاني المذهبي والعرقي على شاكلة العراق، ومثل هذه الديمقراطية ستضمن نفوذا خليجيا على الأقل داخل سورية. الثاني إزاحة الخط الاستراتيجي الخاص بسورية باتجاه الجنوب، بحيث تصبح دول الخليج "مفصل الأزمات"، وهو ما يستدعي إعطاء أدوار جديدة لتركية أيضا، فالعقدة السورية على امتداد العقود الخمسة الماضية تصبح في منطقة أخرى ما بين أنقرة ودول الخليج.

الثالث إعادة توزيع القوة، العسكرية بالدرجة الأولى، وهو أمر مازال ضمن المنطقة الرمادية، فالقوتين الأساسيتين في التكوين المنتظر هما تركيا و "إسرائيل"، ومن الصعب التعويل على دول الخليج في هذا الإطار، وهذه المعضلة الإستراتيجية تفترض فرزا جغرافيا لسورية وتعبئة فراغ من قبل دولة أو دول أخرى غير تركيا أو "إسرائيل"، ومن هنا يمكن العودة إلى المقترح القطري حول إرسال قوات عربية تساعد فقط على مسألة توزيع النفوذ داخل سورية دون ان يكون لها دور في إعادة القوة إلى سورية.

ورغم أن السيناريو المطروح هو افتراضي حتى اللحظة، على الخص مع دخول روسيا إلى المسألة السورية، لكن مسألة "التجويف السوري" قائمة من خلال الاختراق السياسي والإعلامي، سواء عبر أطراف معارضة أو في الحشد الدبلوماسي المقترح، علما ان عددا من الأزمات تم إذاحتها باتجاه قطر مثل المصالحة الفلسطينية على سبيل المثال، ويبقى السؤال إلى أي مدى يمكن خلق هذه "السياسات الهشة" داخل سورية، هو سؤال برسم مواجهة الأزمة التي انتقلت سريعا من مستوى السياسة الداخلية إلى موقع يبدو أكبر بكثير من المساحات المعلنة حاليا.