أنا بالفعل مشوشة من بعثة المراقبين، لأنني لا أدري ما الذي سيراقبونه، ففعل المراقبة على ما يبدو قفز إلى مسافة من الممكنات، وربما يخلق احتمالات لم تظهر بعد لأنها "تُخلق" من خارج ما هو متوقع، فعندما تبدء العيون بـ"التلصص" نعود باتجاه الماضي، ونرجع إلى زمن إغلاق الأبواب والتعامل مع المساحات المغلقة، فالمراقبون ربما سيتتبعون "وقف إطلاق النار" لكنهم أيضا سيسكنون في الداخل السوري... سيغلقون "المساحة المفتوحة" لسورية بزوايا العين.

المراقبون سيختصرون سورية... سيجعلون من المدن "جغرافية" تحدها الأزمة، وهم أيضا سيصورون دمش باعين زرقاء أو خضراء أو عسلية، وربما سينسون بأن العيون السورية مفتوحة بكل الاتجاهات رغم كل الضيق الذي ضربنا ورغم العفن الذي أنتجته الأحداث، فهم كمراقبين سيعيدون إنتاجنا وفق "زوايا" أعينهم بينما تصبح المراقبة فعل اختلاس لـ"البصيرة".

JPEG - 75.7 كيلوبايت

هل سيراقبون وجهي؟! النقاب سيصبح عادة طالما أن هناك من سيحصيأنفاسنا وربما ردود فعلنا، وسيحاول اقتناص اللحظات السورية كي يسجل في تقريره بأن هناك من "خرق وقف إطلاق النار"، وأن البعض "خرق" مساحة النظر المسموحة فجالت عينيه خارج ما تريده الأمم المتحدة.

منذ قرن كامل ونحن نبحث عن ذاتنا، واليوم لدينا من يجول بيننا ليراقب طريقة بحثا، أو تثبيت قناعاتنا، فهذا الفشل الذ نسجله اليوم ليس اختراق سيادة، بل قدرتنا على فتح مساماتنا للآخرين كي يتجولوا داخلنا، فعام كامل كان كفيلا بترك البعض يفرح لأنه "مُخترق" وآخرون قادرون على لعب دون "الجوالين" للبحث عن "مراقبة" أدق، وربما نسجل لأول مرة في التاريخ "ثورة" تبحث عن محتل بدلا من بحثها عن سيادة مطلقة.

سيمر الزمن الحالي سريعا، وسيسجل أحفادنا بضع كلمات في التاريخ ((دخل المراقبون)) و ((خرج المراقبون)) ولا ملاحظات يمكن ذكرها سوى أن "داحس والغبراء" تم زرعها في سورية، وأن غزوات حصلت وأخرى انتهت، وأن نصف قرن لم تفلح في رسم مجتمع قادر على خلق ما يريده هو....

هم مراقبو الزمن التائه بين ملامح الماضي وقدرة البعض على تلبس فعل البداوة، وهم أيضا قادمون إلى سورية بخبرة التعامل مع "التوحش" وفق تصور منظري الحروب على مساحة القاعدة ومدارسها المنشورة بين أفغانستان وباكستان، فهل علينا استرجاع حقيقتنا وهم يجولون؟! هم يراقبون سورية... يراقبون وجهي ويمضون.