تبدو «الأزمة السورية» قد اتضحت أكثر للعالم وللسوريين وتحولت إلى ما يمكن تسميته «المسألة السورية» فهي منذ البداية كانت أكثر من كونها أزمة يمكن معالجتها بطريقة أو بأخرى. فحلول الأزمة موجودة ويمكن البحث بها وعنها في الداخل السوري ومن السوريين الذين يعرفون جيداً ماذا يريدون وما يصلح أمورهم ويحافظ على موقعهم ويطوره.

لكن التصريحات الفرنسية وطريقة تعامل الغرب والمتصحرين مع هذه القضية يؤكد أموراً كثيرة لا تدخل على الإطلاق في خانة حل أزمة ولا تطوير نظام سياسي واقتصادي.

فالقيادة الفرنسية الحالية تعرف جيداً أنه لم يتبق لها سوى أيام قليلة في الحكم حسب كل استطلاعات الرأي العام الفرنسي وحسب التحولات النفسية الواضحة في وجوهها تصريحاً وممارسة وكلها تنم عن أنهم خاسرون في الداخل ويحاولون قلب الطاولة على الفرنسيين وتدمير البنى الفرنسية حتى لا يرثها من وراءهم فهم معروفون بشمشوميتهم التلمودية.

كذلك الأمر يبدو واضحاً عند المتصحرين العرب الذين ساءهم أن تخرج سورية من الأزمة سليمة في بنيتها وهويتها وصورتها.

ولكنهم جميعاً من متصحرين أو صهاينة يبدون أيضاً أكثر شمشومية في الخارج فهم يحاولون عرقلة حل الأزمة ومفاقمة خسائر السوريين، كل السوريين، بكل اتجاهاتهم السياسية بمن فيهم الذين اختاروا أن يكونوا واجهة للمشروع والعروبة والعروبيين في كل مكان ممن هالهم أن تسقط عروبتهم مجدداً في التصحر والتصهين في غفلة من الزمن.

فحاكم آبار قطر للنفط والغاز يؤكد عدم رضاه عن مهمة أنان التي من المفترض أن تؤسس لحل سياسي للأزمة. ووزير الخارجية الفرنسية يرأس اجتماعات لـ«خبراء» من «مجموعة دول العقوبات» ليخطب بهم خطاباً تعبوياً ضد سورية، للمفارقة فقط فإن وزير الخارجية الفرنسية اختار تاريخ ١٧ نيسان عيد الجلاء الفرنسي عن سورية ليستقبل هذا الاجتماع وليس مجرد مصادفة.

ويبدو أن ساركوزي وجوبيه والمتصحرين والصهاينة قرروا خوض حربهم حتى آخر حليف سوري لهم.

وإذا اطلعنا على مجمل التصريحات والتصرفات واللقاءات التي تجري عندما يلوح في الأفق مشروع حل للأزمة، نرى بوضوح عدم رضا بعض الدول والفئات وكأن إعلان خسارتهم وهزيمتهم قد حان وعليهم تأجيل أمد هذه الكأس بأي طريقة أو وسيلة.

ومن يقرأ مقررات اجتماع «مجموعة دول العقوبات» الذي انعقد أمس في باريس يرى بوضوح هذا الأمر سواء بتأكيده أن حظر بيع الأسلحة هو فقط حظر على السلطات السورية معطياً الضوء الأخضر لتسليح من يرتضي السير بمشروع تقويض سورية وزرعها دماء وخراباً.

فالواضح إذاً أمور كثيرة: أولها أن الهدف ليس تطوير النظام نحو ديمقراطية سياسية واجتماعية واقتصادية بل تدمير البنى السورية برمتها لا البناء عليها لمستقبل أفضل.

وثانيها أنه ليس المطلوب البحث عن حل بل عن مزيد من الأزمات وعن طرق وأساليب توالدها. وخاصة أن مشروع الصهاينة والمتصحرين قد رفضه السوريون عامة في المعارضة وفي السلطة معاً ولم يستطع الصهاينة والمتصحرون تأمين الحد الأدنى من إجماع المعارضين للنظام حول مشروعهم على عكس ما هو حاصل حيث إن سورية استطاعت، حكماً، أن تجمع أبنائها معارضين وموالين للسلطة حول حد أدنى مقبول لبناء سورية المتجددة وهو رفض مشروع تدمير سورية برمته وتأكيد مطالب يرونها محقة ولا ترفض السلطة تلبيتها والبحث في آليات تلبيتها.

من هنا تبدو أن الأزمة السورية باتت بحكم المنتهية وبقيت التفاصيل الأمنية الصغيرة التي يمكن لسورية حكومة وشعباً، معارضة وموالاة، تجاوزها والتعامل معها بمسؤولية لا تنقص السوريين.

لكن بناء للمعطيات السياسية والإستراتيجية والفكرية، التي أوضحتها الأزمة، فإن البحث بما يمكن تسميته «المسألة السورية» بات واجباً على القوى والفعاليات السورية فكرياً واستراتيجياً وأمنياً ومستقبلياً وهو الأمر الوحيد الذي يمكن أن يجنب السوريين توالد الأزمة التي عاشها العالم بأجمعه.

فالمسألة السورية هي موضوع البحث في العمق لا في التفاصيل الصغيرة والقشور والهوامش بل في تجديد دولة تشكل المظهر الحقوقي والقانوني والثقافي للسوريين. دولة تعبر عن تاريخهم وحاضرهم وتعمل لمستقبلهم وخياراتهم الحقيقية، دولة ما بعد ١٧ نيسان لا ما قبله.