العلمانية "رؤية" يمكنها أن تضع مساحات مفتوحة واحتمالات متجددة أمامنا، فهي ليست "منظومة" أفكار تضعنا ضمن إطار من الإجراءات أو القناعات المسبقة، وهي كـ"علمانية" ليست مجردة عن تاريخها سواء في منطقتنا أو في موطنها الأصلي حيث ظهرت وتطورت داخل مراحل النهضة الأوروبية، أما لماذا البحث بها اليوم، فلأنها على ما يبدو اقتحمتنا من زوايا مختلفة، وأغرقتنا بمسائل تبدو وكأنها غلاف يسعى لوضع "الرؤية" في إطار واحد.

شخصيا لا استطيع أن أفصل "الرؤية" في العلمانية عن أناقتها كموضوع جدلي في مجتمعات ما بعد الحداثة، ومن هذه الزاوية فإنني أراها في "الاحتمالات" وفي "العلاقات" التي تقفز من موقع لآخر، وفي قدرتها على أن تكون "صديقة" للمصالح الاجتماعية بدلا من كونها عاملا منفرا يجرح "إيمان" الآخرين.

لم يخطئ أحد في شرح العلمانية، لأنها كرؤية قابلة لتفسير على مقدار "الثقافة الاجتماعية"، وقادرة أيضا على منح البعض أفقا جديدا بينما تظهر كسلاح يد مجموعات آخرى كي يتم استخدامها وكأنها "نظام أفكار" يعبر عن "صرامة عقلية، فحكاية العلمانية هي باتساع العقل البشري، واقتصار البعض على تعريفها بأنها "فصل الدين عن الدولة" يبقى مجرد وجهة نظر لواقع إجرائي، لكن عملية الفصل نفسها تحتاج لتلك الرؤية، ولقدرات العقل على تقديم تفسيرات مختلفة تدفعه عن فهم مختلف لكل مظاهر الحياة.

معركة العلمانية في الشرق، واستخدام المعركة هنا تجاوز لأن الرؤية لا تحتاج لمعارك، تبدو وكأنها رهان خاسر، لأننا نستخدم "العلمانية" كأداة في التعامل الاجتماعي، أو حتى كمبرر في الإجراء السياسي، لكن في النهاية فإن الرؤية بما تفتحه من أسئلة وفضاء فكري تبقى بعيدة عن هذا الاستخدام، فالعلمانية ليست قيما أو إجراء سياسيا، وهي أيضا ليست حلا سحريا وجرعة دواء تقدم لثقافة مهترئة، لأنها ربما تملك جزء من الأمور السابقة وتمثل زمنا مختلفا عما سبقها.

"أناقة العلمانية" هي في تعبيرها عن زمنها الخاص وقدرتها على التسرب إلى الجميع دون أن تجرح خصوصية قناعاتهم الشخصية، أي أنها رؤية بفعل الحداثة وما بعدها، وبقوة الإبداع وما يملكه من خيال قادر على اجتراح أفاق جديدة. ربما على أن أقترح على من يستخدمون العلمانية لـ"سد فراغ" ثقافي أن يتخلوا عن هذا الأمر، لأنها رؤية قادرة على اجتياز كل ما هو قديم.