شكلت العلاقة السياسية بين "السلطة" و "المعارضة" حالة استثنائية خلال المراحل السابقة من الأزمة، ففي الوقت الذي كان فيه البعض يسحب الشرعية من "السلطة" فإن بعض أطراف المعارضة كانت تخوض صراعا ضد محاولات مماثلة لتثبيت شرعيتها وسط محاولات اتهام لها بأنها لا تمثل "الشارع المحتج" أو انها كانت "حليفا" سابقا لـ"السلطة".

وبغض النظر عن كل ما طرح حول علاقة حالة الاضطراب التي شهدتها سورية منذ آذار العام الماضي، لكن "معركة الشرعية" كانت محتدمة على المستوى السياسي، فالحديث بـ"اسم الشعب" وصل مرحلة غير مسبوقة من الاحتكار، فيما ظهرت تصنيفات لقوى المعارضة ودخلت بعض القوى الإقليمية والدولية للضغط ضمن عملية احتكار رأي "الشعب السوري"، في المقابل فإن رسم الخارطة السياسية أصبح أصعب من أي وقت مضى، فملامح القوى السياسية كانت تبتعد بشكل سريع عن مساحة ما يحدث نتيجة الصراع العنيف على الأرض.

عمليا فإن "معارك الشرعية" لم تعد مفهومة اليوم، لأنها تنتمي إلى معادلة سياسية تعود لزمن سابق للأزمة، فالحراك السياسي في النهاية يتم "كبحه" من خلال حملات التشكيك بالمعارضة السورية في الداخل، بينما كان من المفترض أن تختبر كافة القوى السياسية وجودها الحقيقي وطاقتها الاجتماعية وهو أمر لم يحدث لسببين:

-  الأول ظروف القوانين الناظمة للحياة السياسية فهي جاءت ضمن ظرف أمني استثنائي، وهي في نفس الوقت ما تزال تخضع لثقافة تعود لزمن "حالة الطوارئ"، فالحكم على الظاهرة السياسية لم يتحرر بعد من الصور النمطية القديمة، وهو يرسم خطوط تماس بين المعارضة والسلطة ويحدد جبهات صراع لها.

-  الثاني طبيعة "الحراك" الذي ظهر في بداية الحدث، حيث طرح حالة انقلابية في الشعار السياسي، وهو ما جعل حدود التحرك لاحقا محكومة بمنظار وحيد حدده شعار "إسقاط النظام" الذي ظهر في فضاء مجهول لا يملك أي حوامل سياسية محددة.

القوى السياسية اليوم تحاول النفاذ إلى معادلة "غير سياسية" بامتياز، لأنه على المستوى الداخلي هناك صراع عنيف يشكل انعكاسا لتناقض على المستويين الإقليمي والدولي، ولأن العوامل الخارجية تستند إلى استراتيجية تراهن على مسألة التحول الكامل في الشرق الأوسط، فإن ما يحدث في سورية أصبح أبعد ما يكون عن طبيعة التنافس السياسي، فالشرط الدولي واضح تماما في تحديده لطرفي الصراع: السلطة من جهة والمعارضة الانقلابية من جهة ثانية وتمثيلها بالنسبة إليه مفروض مسبقا (مجلس اسطنبول)، أما الخروج عن هذا الشرط فهو الحرب الأهلية.

المعارضة السياسية تبدو وهما ما لم تجد "حلولا ابداعية" مختلفة تماما عن كل البيانات والتصريحات الصادرة اليوم، فالحل الانقلابي وفق الشرط الدولي، يحتاج لمجابهة بتكنيك مختلف على مستوى المعارضة الداخلية، وربما التخلص من عقدة "الشرعية"، فكل ما يحدث في سورية في هذه اللحظة تحديدا لا يخضع لشرط داخلي طالما أن التشكيلات التي تعمل على الأرض هي مسلحة، وبالتأكيد فإن القدرة على التسلح تتجاوز الإمكانيات الذاتية لأي فصيل، وأنصار التسلح إقليميا لا يحتاجون لإعادة تعيين.